AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (11): عندما أصبح العالم متصلًا… كيف غيّر الإنترنت علاقتنا بالمعرفة؟

بعد أن جعل الحاسوب المعرفة تفاعلية، جاء الإنترنت ليضيف عنصرًا جديدًا إلى منظومة التعليم: الاتصال والوصول إلى المعرفة. لم يعد المتعلم محدودًا بما في الكتاب أو المدرسة أو الجهاز، لكن هذا التحول فتح أسئلة جديدة عن العدالة، وسرعة الاتصال، وتكلفة الخدمة، والثقة في المصادر، والفرق بين المحتوى الرقمي والتعليم الرقمي والتعلّم الرقمي والتحول الرقمي.

تطور الإنترنت من الاتصال البطيء إلى الشبكات العالمية والتعليم الرقمي وتأثيره في الوصول إلى المعرفة – هشام خلف الله

عندما لم يعد الحاسوب جزيرة

في المقال السابق وصلنا إلى لحظة مهمة في رحلة التعليم. أصبح الحاسوب قادرًا على جمع النص والصورة والصوت والفيديو، وأصبح المتعلم يستطيع أن يضغط ويكتب ويختار ويجرب ويحصل على استجابة. أضفنا إلى منظومة التعليم عنصرًا جديدًا هو التفاعل الرقمي.

لكن الحاسوب ظل، في كثير من الأحيان، جزيرة. ما يمكن أن تتعلمه من خلاله يعتمد على ما يوجد داخله: برنامج، ملف، قرص مدمج، موسوعة أو مادة تعليمية سبق أن وضعها شخص ما على الجهاز. إذا أردت معرفة جديدة، فأنت تحتاج إلى مصدر جديد يصل إليك بطريقة ما.

ثم بدأت هذه الجزر تتصل. جهاز يتصل بجهاز، ثم بشبكة، ثم أصبحت الشبكات نفسها متصلة ببعضها، حتى ظهر أمام الإنسان عالم مختلف تمامًا.

الإنترنت.

ولم يكن التغيير الحقيقي في أن جهاز الكمبيوتر حصل على ميزة جديدة. كان التغيير أعمق من ذلك.

لأول مرة، بدأ الإنسان ينتقل من السؤال:

ماذا يوجد داخل الجهاز؟

إلى سؤال مختلف تمامًا:

إلى ماذا يستطيع هذا الجهاز أن يصل؟

وهنا نضيف عنصرًا جديدًا إلى منظومة التعليم التي نبنيها:

الاتصال والوصول إلى المعرفة الرقمية.

من امتلاك المعرفة… إلى القدرة على الوصول إليها

قبل الإنترنت، كان الوصول إلى المعرفة مرتبطًا إلى حد كبير بما هو قريب منك. الكتب التي تمتلكها، المكتبة الموجودة في مدينتك، المعلم الذي أمامك، الموسوعة التي استطعت شراءها، الجامعة أو المؤسسة التي يمكنك دخولها.

أما الإنترنت فبدأ يغيّر معنى «المصدر» نفسه. أصبح من الممكن أن تجلس في مكان، بينما تصل إلى معلومات موجودة في مكان آخر تمامًا. تقرأ صحيفة من دولة أخرى، تصل إلى موقع جامعة، تبحث في موسوعة، تراسل شخصًا لم تقابله من قبل، وتجد معلومات لم تكن موجودة أصلًا داخل جهازك.

وهنا حدث تحول أراه من أكبر التحولات في تاريخ المعرفة:

الإنترنت لم يجعل كل إنسان يملك كل المعرفة، لكنه جعل الوصول إلى المعرفة أقرب من أي وقت مضى.

ومع تطور المواقع ومحركات البحث تغير الأمر أكثر. في السابق، كان من المهم أن تعرف أين توجد المعلومة. أما الآن فأصبح بإمكانك كتابة كلمات قليلة، ثم تبدأ أنت رحلتك في البحث عنها.

وهنا ظهرت مهارة جديدة داخل منظومة التعلم:

البحث عن المعرفة.

لكن، وكما حدث معنا في كل مرحلة سابقة، الحل الجديد خلق مشكلة جديدة. فالوصول إلى المعلومة لا يعني أن المعلومة صحيحة.

أتذكر صوت الاتصال… قبل أن تصبح المعرفة فورية

أتذكر بدايات علاقتي بالإنترنت، في الفترة التي كان فيها الاتصال نفسه تجربة. ذلك الصوت المعروف للـ Dial-up، وانتظار الجهاز حتى يتصل، ثم انتظار الصفحة حتى تظهر تدريجيًا.

قد تبدو هذه التجربة اليوم شديدة البطء والبدائية. لكن في ذلك الوقت لم يكن أهم شيء بالنسبة لي هو السرعة. كان المدهش أن الجهاز الموجود أمامي أصبح يستطيع الوصول إلى شيء غير موجود داخله أصلًا.

كنت أنتظر صفحة واحدة، لكن خلف تلك الصفحة كان هناك عالم كامل.

واليوم ربما لا يستطيع طفل يستخدم اتصالًا سريعًا وهاتفًا ذكيًا أن يتخيل أننا كنا ننتظر ظهور صورة أو صفحة نصية. لكن التغيير الأهم لم يكن أن الإنترنت أصبح أسرع فقط.

الإنسان نفسه تغيرت توقعاته تجاه المعرفة.

أصبحنا نتوقع أن نجد المعلومة الآن، وأن تظهر الصورة الآن، وأن يبدأ الفيديو الآن، وأن نصل إلى الشخص أو المصدر الآن.

وهنا نكتشف أن سرعة الإنترنت ليست مجرد تفصيل تقني. فهي تحدد أصلًا نوع التجربة التعليمية التي يمكن تقديمها.

اتصال محدود قد يسمح بقراءة النصوص. سرعة أفضل تسمح بالصور والصوت. ثم يصبح الفيديو ممكنًا. ثم البث المباشر. ثم التفاعل في الوقت الحقيقي.

إذن:

سرعة الاتصال لم تغيّر فقط سرعة وصول المعرفة، بل غيّرت نوع الخبرات التعليمية التي أصبح من الممكن تقديمها.

لكن… هل الإنترنت متاح للجميع؟

وهنا يجب أن نتوقف. لأن الحديث عن الإنترنت يجعلنا أحيانًا نقول بسهولة: «أصبحت المعرفة متاحة للجميع».

لكن هل هذا صحيح فعلًا؟

حتى ونحن نكتب هذا المقال في عام 2026، لم يصل العالم إلى اتصال رقمي متساوٍ.

تشير أحدث تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 6 مليارات شخص استخدموا الإنترنت في 2025، أي قرابة ثلاثة أرباع سكان العالم، بينما ظل نحو 2.2 مليار شخص خارج الإنترنت. ويصل استخدام الإنترنت إلى نحو 94% من السكان في الدول مرتفعة الدخل، مقابل نحو 23% فقط في الدول منخفضة الدخل. كما تختلف التجربة نفسها في الجودة؛ فالفجوة لم تعد فقط بين «متصل» و«غير متصل»، بل تشمل السرعة والاعتمادية والتكلفة والمهارات والأجهزة المتاحة. (itu.int)

بل إن الاتحاد الدولي للاتصالات يوضح أن خدمة الإنترنت، رغم انخفاض أسعارها عالميًا، ما زالت غير ميسورة وفق مستهدفات القدرة على تحمل التكلفة في عدد كبير من الاقتصادات، وأن سكان المناطق الريفية كثيرًا ما يدفعون نسبة أكبر من دخولهم مقابل خدمة أقل جودة. (itu.int)

وهنا يتحول الإنترنت من مجرد تقنية إلى قضية عدالة تعليمية.

قد يكون لدينا طالبان في المرحلة نفسها ويدرس كل منهما المنهج نفسه. أحدهما لديه جهاز حديث واتصال سريع ومستقر، ويمكنه مشاهدة الفيديوهات والبحث والدخول إلى المنصات في أي وقت. والآخر قد لا تتوفر الخدمة أصلًا في منطقته، أو تكون تكلفتها مرتفعة، أو لديه اتصال ضعيف، أو هاتف واحد تتشاركه الأسرة كلها.

هل نستطيع بعد ذلك أن نقول إنهما حصلا على الفرصة التعليمية نفسها؟

بالتأكيد لا.

ولهذا لا تكفي كلمة «الوصول إلى الإنترنت». نحتاج إلى ما يسميه الاتحاد الدولي للاتصالات الاتصال الهادف: خدمة متاحة، وبجودة مناسبة، وبسعر يمكن تحمله، ومع جهاز ومهارات تسمح للإنسان بالاستفادة منها فعلًا. (itu.int)

الإنترنت وسيلة مهمة… لكنه ليس شرطًا لحدوث التعلّم

وهنا أعتقد أننا نحتاج إلى تمييز مهم جدًا. الإنترنت أصبح واحدًا من أهم أدوات المعرفة والتعليم في العصر الحديث.

لكنه ليس شرطًا لحدوث التعلم نفسه.

يمكن لطفل أن يتعلم من معلم ممتاز وكتاب وتجربة وحوار دون اتصال بالإنترنت. ويمكن لمدرسة أن تحقق تعلمًا حقيقيًا رغم محدودية التكنولوجيا. وفي المقابل، يمكن أن يكون أمام الطالب أسرع اتصال وأحدث جهاز، ولا يحدث تعلم عميق.

ولهذا لا أرى أن الإنترنت حلّ محل المدرسة أو المعلم أو الكتاب. بل أضاف قدرة جديدة إلى المنظومة.

لكن عندما تقرر منظومة تعليمية أن تجعل الواجبات على منصة، والكتب رقمية، والدروس بالفيديو، والاختبارات إلكترونية، فإنها تنتقل من مجرد استخدام الإنترنت كوسيلة اختيارية إلى جعله جزءًا من البنية التي تعتمد عليها العملية التعليمية.

وهنا يجب أن يظهر سؤال العدالة:

هل من العدل أن نجعل خدمة غير متاحة بالجودة نفسها لجميع المتعلمين شرطًا أساسيًا للحصول على التعليم؟

والواقع أن المشكلة لا تخص المنازل فقط. فأحدث البيانات العالمية المقارنة المتاحة للمدارس تظهر أن الاتصال لأغراض تعليمية ما زال غير متساوٍ؛ وتوضح اليونسكو أن نسبًا كبيرة من المدارس، خصوصًا في المراحل الأساسية وفي البيئات الأقل دخلًا، لا تزال تفتقر إلى الاتصال المناسب أو الأجهزة والبنية التحتية اللازمة. (gem-report-2023.unesco.org)

إذن عندما نخطط للتعليم الرقمي، يجب ألا نخطط بناءً على أفضل طالب من حيث الاتصال، بل أن نسأل أيضًا عن الطالب الموجود في أضعف نقطة في المنظومة.

عندما أصبح الكتاب PDF… هل أصبح التعليم رقميًا؟

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط التي أعتقد أننا نحتاج إلى توضيحها.

مع انتشار الحاسوب والإنترنت، بدأت الكتب تتحول إلى ملفات رقمية. وأصبحنا نحصل على كتاب PDF بدل النسخة الورقية. والمذكرات أصبحت ملفات. والصور أصبحت رقمية. والفيديوهات أصبحت جزءًا من المحتوى.

وهذا تطور مهم جدًا في المحتوى.

لكن هل تحويل الكتاب الورقي إلى PDF يعني أننا أنشأنا تعليمًا رقميًا؟

لا أعتقد ذلك.

إذا كان المعلم في السابق يقول: «افتحوا الكتاب على صفحة 25». ثم أصبح يقول: «افتحوا ملف PDF على صفحة 25». فما الذي تغير في طريقة التعلم؟

قد يكون حمل الكتاب أسهل. وقد أصبح توزيعه أسرع. وقد انخفضت تكلفة نسخه. لكن التجربة التعليمية نفسها قد تكون تقريبًا كما كانت.

وهنا نحتاج لأول مرة في السلسلة إلى أن نفرق بوضوح بين عدة مفاهيم تختلط علينا كثيرًا.

المحتوى الرقمي ليس هو التعليم الرقمي

المحتوى الرقمي هو أي معرفة تم تحويلها أو إنتاجها في صيغة رقمية.

كتاب PDF، صورة، فيديو، ملف صوتي، عرض تقديمي، موسوعة إلكترونية، اختبار محفوظ على الجهاز.

هذا كله محتوى رقمي.

لكن وجوده لا يعني وحده أن لدينا تعليمًا رقميًا.

أما التعليم الرقمي فهو عملية تعليمية منظمة تستخدم الأدوات الرقمية في تقديم التعليم وإدارته.

هناك أهداف، ومعلم، ومتعلم، ومحتوى، وأنشطة، وتواصل، وتقييم، وتغذية راجعة. وتستخدم التقنية لكي تربط هذه العناصر ببعضها وتساعدها على العمل.

ثم هناك التعلّم الرقمي.

وهذا بالنسبة لي هو الأهم؛ لأنه يتعلق بما يحدث لدى الإنسان نفسه.

هل استخدم المتعلم البيئة الرقمية لكي يبحث؟ ويستكشف؟ ويقارن؟ ويجرّب؟ ويتلقى تغذية راجعة؟ ويحل مشكلة؟ ويتعاون؟ ويبني معرفة جديدة؟

إذن يمكن أن نختصر الفرق هكذا:

المحتوى الرقمي هو ما نقدمه، والتعليم الرقمي هو كيف ننظم تقديمه باستخدام التقنية، أما التعلّم الرقمي فهو ما يحدث فعلًا لدى المتعلم من خلال هذه البيئة.

وهناك مستوى رابع أكبر من ذلك كله:

التحول الرقمي في التعليم.

فالتحول الرقمي لا يعني تحويل الكتب إلى PDF، ولا شراء أجهزة، ولا إنشاء منصة فقط.

بل يعني أن نعيد التفكير في طريقة عمل المنظومة نفسها: إدارة الطالب، والتواصل، والمناهج، والتقييم، والبيانات، والخدمات، واتخاذ القرار، وتجربة المعلم والمتعلم.

ولهذا أعتقد أن علينا أن نثبت قاعدة مهمة في رحلتنا:

ليس كل استخدام للتكنولوجيا تعليمًا رقميًا، وليس كل تعليم رقمي تحولًا رقميًا.

قد نرقمن التعليم… دون أن نغيّر التعلّم

هذه الفكرة مهمة جدًا.

يمكن أن توجد مدرسة بها أجهزة حديثة، وإنترنت سريع، وشاشات، وكتب PDF، ومنصة. ومع ذلك يظل المعلم يشرح بالطريقة نفسها، والطالب يستقبل بالطريقة نفسها، والاختبار يقيس الأشياء نفسها.

في هذه الحالة نكون قد غيّرنا شكل الأدوات، لكننا ربما لم نغير طبيعة التعلّم.

وقد شرحنا الفكرة نفسها في المقال السابق عندما قلنا إن الكمبيوتر يمكن أن يصبح مجرد كتاب إلكتروني. والإنترنت يستطيع أيضًا أن يصبح مجرد طريق أسرع للوصول إلى الكتاب نفسه.

لكن الإمكانية الأكبر تظهر عندما نستخدم الاتصال بطريقة لم تكن ممكنة من قبل. أن يستطيع الطالب الوصول إلى مصادر متعددة، ومقارنة المعلومات، والتواصل، والبحث، والعمل مع أشخاص في أماكن مختلفة، والوصول إلى محتوى يتغير باستمرار بدل أن ينتظر طبعة جديدة من الكتاب.

عندها يبدأ الاتصال بالفعل في تغيير تجربة التعلّم.

وهنا يعود السؤال الذي سنحمله معنا دائمًا:

ما الذي أصبح المتعلم قادرًا على فعله الآن ولم يكن يستطيع فعله من قبل؟

عندما لم يعد المعلم بوابة المعرفة الوحيدة

ربما كان هذا من أكبر التحولات النفسية والمهنية التي أحدثها الإنترنت.

لفترات طويلة، كان المعلم من أهم بوابات الطالب إلى المعرفة. هو يعرف، والطالب يسأله، والكتاب الذي اختارته المنظومة إلى جانبه.

ثم أصبح الطالب يستطيع العودة إلى منزله والبحث عن الموضوع نفسه. وقد يجد عشرات المقالات، وصورًا، وفيديوهات، وآراء مختلفة، ومصادر من جامعات ومؤسسات وأشخاص حول العالم.

وبالتالي تغير السؤال بالنسبة للمعلم.

لم يعد فقط:

كيف أعطي الطالب المعلومة؟

بل أصبح:

كيف أساعده على التعامل مع كمية المعلومات التي يستطيع الوصول إليها؟

وهنا لا تقل أهمية المعلم. بل تتغير.

عندما أصبحت المعلومات أكثر من قدرة أي إنسان على حفظها، أصبحت قيمة المعلم أقل ارتباطًا بكمية ما يعرفه، وأكثر ارتباطًا بقدرته على مساعدة المتعلم على الوصول والفهم والتمييز والتحقق والاستخدام.

فالطالب قد يستطيع العثور على عشر إجابات لسؤال واحد. لكن من يساعده على معرفة أيها أكثر دقة؟ ومن يساعده على فهم السياق؟ ومن يكتشف أنه أخذ معلومة صحيحة لكنه فهمها بطريقة خاطئة؟

الإنترنت لم يُلغِ الحاجة إلى المعلم. لكنه بدأ مرة أخرى في إعادة تعريف دوره.

من مشكلة ندرة المعرفة… إلى مشكلة وفرتها

قبل الإنترنت كان الطالب قد يعاني لأنه لا يجد المصدر. اليوم قد يعاني لأنه يجد آلاف المصادر.

وهنا حدث انقلاب غريب.

في مرحلة تاريخية سابقة كان السؤال:

أين أجد المعرفة؟

أما الآن فأصبح من الأسئلة الأساسية:

أي معرفة أختار؟

ومن أصدق؟

وهل الموقع الذي أمامي مصدر علمي؟ أم رأي شخصي؟ هل المعلومة حديثة أم قديمة؟ هل نقلها شخص عن مصدر آخر؟ هل الصورة حقيقية؟ وهل الصفحة مصممة لتعلّمني، أم لتبيع لي شيئًا، أم للتأثير في رأيي؟

وهنا بدأت تظهر أهمية الثقافة الرقمية والمعلوماتية.

لم يعد المتعلم يحتاج فقط إلى القراءة والكتابة. يحتاج إلى أن يعرف كيف يبحث، وكيف يقارن، وكيف يتحقق من المصدر، وكيف يميز بين الحقيقة والرأي والإعلان.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الإنترنت:

عندما كانت المعرفة نادرة، كان التحدي الوصول إليها؛ وعندما أصبحت وفيرة، أصبح التحدي اختيارها والتحقق منها.

وهذه المهارة ستصبح أكثر أهمية بكثير عندما نصل لاحقًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

وهل وجود الإنترنت يعني القدرة على التعلّم منه؟

هناك أيضًا نوع آخر من الفجوة الرقمية أخطر من مجرد وجود الاتصال.

قد يكون لدى طفلين هاتف وإنترنت. لكن أحدهما يعرف كيف يبحث عن معلومة، ويستخدم أدوات مختلفة، ويقارن المصادر، ويكتب ويصنع محتوى، ويحمي بياناته. والآخر يستخدم الإنترنت لساعات طويلة، لكنه لا يعرف كيف يستفيد منه في التعلم.

الاتحاد الدولي للاتصالات يشير بالفعل إلى أن المهارات الرقمية نفسها غير متساوية؛ فالوصول إلى الشبكة لا يعني امتلاك المهارات التي تسمح باستخدامها بصورة فعالة وآمنة. (itu.int)

وهنا يصبح لدينا مستويان للفجوة الرقمية.

فجوة الوصول.

وفجوة الاستخدام والاستفادة.

وهذا مهم جدًا؛ لأننا قد ننظر إلى طالب يحمل هاتفًا ذكيًا ونفترض أنه «رقمي» بطبيعته. لكن استخدام التطبيقات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التعلم الرقمي.

وكما قلنا من قبل:

وجود الأداة لا يعني حدوث التعلّم.

والأسرة أمام باب مفتوح على العالم

مرة أخرى، يظهر دور الأسرة.

عندما دخل التلفزيون المنزل، كان هناك عدد محدود من القنوات والبرامج. وعندما دخل الكمبيوتر، كانت الملفات والبرامج الموجودة عليه معروفة بدرجة أكبر.

أما الإنترنت فقد فتح بابًا إلى عالم لا نهاية له تقريبًا.

تعليم، وترفيه، وألعاب، وأخبار، وتواصل، ومحتوى جيد، ومحتوى ضعيف، ومعلومات صحيحة، ومعلومات خاطئة.

وهنا أصبح السؤال بالنسبة للأسرة أكثر تعقيدًا.

هل نمنع؟ هل نراقب؟ هل نحدد الوقت؟ كيف نحمي الطفل؟ وكيف نساعده في الوقت نفسه على الاستفادة من واحدة من أهم أدوات المعرفة في العصر الحديث؟

وهنا أعتقد أن المنع وحده لا يستطيع أن يكون الحل.

لأن الهدف ليس فقط أن نبعد الطفل عن المخاطر. بل أن نساعده على بناء القدرة التي تجعله يستخدم الأداة بوعي.

وهذا يعيد الأسرة مرة أخرى إلى منظومة التعليم، حتى في عصر تبدو فيه المعرفة وكأنها أصبحت فردية وموجودة في هاتف كل شخص.

الإنترنت غيّر المكان… لكنه لم يصنع الفصل الرقمي كاملًا بعد

إذن ماذا أضاف الإنترنت إلى رحلتنا؟

الحاسوب جعل المعرفة تفاعلية. والإنترنت جعلها متصلة.

أصبح المتعلم يستطيع الوصول إلى مصادر خارج كتابه ومدرسته وجهازه وبلده. وأصبح المعلم يستطيع الوصول إلى موارد لم تكن متاحة له سابقًا. وأصبحت المعرفة تنتقل بسرعة لم يعرفها الإنسان من قبل.

لكن في هذه المرحلة ما زال هناك فرق بين وجود الإنترنت وبين وجود نظام تعليمي كامل عبر الإنترنت.

فوجود كتاب على موقع لا يصنع مدرسة. ومشاهدة فيديو لا تصنع منهجًا. والبحث في Google لا يصنع وحده تجربة تعليمية منظمة.

لكن الإنترنت صنع شيئًا بالغ الأهمية:

جعل من الممكن لأول مرة على نطاق واسع أن يكون المتعلم والمعلم والمحتوى في أماكن مختلفة، ومع ذلك يستطيعون الاتصال.

وهنا تبدأ الحدود التقليدية للفصل في الاهتزاز.

إذا كان المعلم يستطيع أن يرسل المحتوى من مكان، ويستقبله الطالب في مكان آخر… وإذا كان من الممكن أن يسأل الطالب ويحصل على رد… وإذا كان يمكن إرسال الواجب وتصحيحه دون أن يكون الطرفان في الغرفة نفسها…

فهل يجب أن يكون الفصل دائمًا مكانًا له أربعة جدران؟

وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:

الإنسان يتعلّم (12): عندما خرج الفصل من جدرانه… كيف غيّر التعليم الإلكتروني والتعلّم عن بُعد معنى المكان؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (11): عندما أصبح العالم متصلًا… كيف غيّر الإنترنت علاقتنا بالمعرفة؟. Hesham Khalafallah.