AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (12): عندما خرج الفصل من جدرانه… كيف غيّر التعليم الإلكتروني والتعلّم عن بُعد معنى المكان؟

بعد أن جعل الإنترنت المعرفة متصلة بالعالم، ظهر سؤال أكبر: هل يجب أن يكون المعلم والمتعلم في المكان نفسه حتى يحدث التعليم؟ رحلة من التعليم بالمراسلة إلى المنصات والفصول الافتراضية، ومن التعلّم المتزامن إلى غير المتزامن، وكيف غيّرت التكنولوجيا علاقة التعليم بالمكان والزمان، وكشفت تجربة كورونا الفرق بين نقل الدرس إلى الشاشة وبين تصميم تعلّم رقمي حقيقي.

تطور التعليم من الفصل التقليدي إلى التعليم الإلكتروني والتعلّم عن بُعد والفصول الافتراضية – هشام خلف الله

عندما لم يعد الوصول إلى المعرفة هو السؤال الوحيد

في المقال السابق وصلنا إلى لحظة أصبح فيها الحاسوب متصلًا بالعالم. لم يعد المتعلم محدودًا بما يوجد داخل جهازه أو في كتابه أو مكتبة مدرسته. أصبح يستطيع الوصول إلى مصادر في أماكن أخرى، والبحث والتواصل والحصول على معلومات لم تكن موجودة أمامه قبل لحظات.

وهنا ظهر سؤال طبيعي:

إذا كانت المعرفة تستطيع الوصول إلى المتعلم أينما كان، فهل يجب أن يذهب المتعلم دائمًا إلى المكان نفسه لكي يتعلم؟

لفترات طويلة ارتبط التعليم النظامي بصورة واضحة في أذهاننا: مدرسة، فصل، معلم، طلاب، جدول، جرس، ووقت محدد يجتمع فيه الجميع. كان المكان جزءًا أساسيًا من شكل التعليم الذي اعتدنا عليه.

لكن التكنولوجيا بدأت تفصل شيئًا فشيئًا بين التعلّم والمكان.

وهنا نضيف إلى منظومة التعليم عنصرًا جديدًا:

مرونة المكان والزمان.

التعليم عن بُعد لم يبدأ بالإنترنت

من السهل اليوم أن نسمع عبارة «التعليم عن بُعد» فنتخيل فورًا منصة إلكترونية أو محاضرة عبر Zoom. لكن الفكرة أقدم بكثير من الإنترنت.

كانت هناك أشكال من التعليم بالمراسلة تصل فيها المواد التعليمية إلى المتعلم، فيدرسها بعيدًا عن المؤسسة ثم يرسل واجباته أو أعماله مرة أخرى. وبعد ذلك استُخدمت وسائل مثل الراديو والتلفزيون والمواد المسجلة، ثم الحاسوب، وأخيرًا الإنترنت.

وحتى الجامعات المتخصصة في التعليم عن بُعد سبقت الإنترنت بعقود؛ فالجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة مثلًا تعمل في التعليم عن بُعد منذ أكثر من خمسين عامًا، وقد خدمت أكثر من مليوني متعلم خلال تاريخها. (open.ac.uk)

إذن:

التعليم عن بُعد لم يبدأ مع الإنترنت، لكن الإنترنت جعله أسرع وأكثر تفاعلًا وأسهل في التوسع.

ففي التعليم بالمراسلة قد تمر أيام أو أسابيع بين إرسال المادة واستلام الرد. أما الإنترنت فجعل هذا الزمن يتقلص إلى ساعات أو دقائق، وأحيانًا إلى لحظات.

وهنا لم يعد المكان وحده هو الذي بدأ يفقد سلطته على التعليم. الوقت أيضًا بدأ يصبح أكثر مرونة.

عندما انفصل المعلم والمتعلم عن المكان نفسه

في النموذج التقليدي، غالبًا ما تجتمع عناصر العملية التعليمية في مكان ووقت واحد:

المعلم + المتعلم + المحتوى + الفصل + الوقت نفسه.

أما التعليم عن بُعد، فقد سمح لهذه العناصر بأن تنفصل. قد يكون المعلم في مدينة، والمتعلم في مدينة أخرى، والمحتوى محفوظًا على خادم في دولة ثالثة.

وقد يدخل الجميع في الوقت نفسه. أو يضع المعلم المحتوى اليوم، ويشاهده الطالب غدًا.

وهذا تغيير أكبر مما يبدو. لأننا لم نغيّر وسيلة عرض الدرس فقط. بدأنا نغيّر الشروط التي يجب أن تتوافر حتى يحدث التعليم.

الإنترنت أخرج المعرفة من حدود المكان، أما التعليم عن بُعد فأخرج عملية التعليم نفسها من حدود الفصل.

التعليم عن بُعد ليس هو التعليم الإلكتروني

وهنا نحتاج إلى تمييز مهم؛ لأن المصطلحات كثيرًا ما تختلط.

التعليم عن بُعد يتعلق أساسًا بانفصال المعلم والمتعلم مكانيًا خلال جزء كبير من العملية التعليمية أو كلها. وقد يستخدم البريد، أو التلفزيون، أو المواد المسجلة، أو الإنترنت.

أما التعليم الإلكتروني فهو استخدام التقنيات والوسائط الرقمية في تصميم التعليم وتقديمه وإدارته.

ولذلك يمكن أن يحدث التعليم الإلكتروني داخل الفصل نفسه. قد يجلس الطلاب والمعلم في المدرسة، لكنهم يستخدمون منصة رقمية، ومحاكاة، واختبارات إلكترونية، ومصادر رقمية وأنشطة تفاعلية.

هذا تعليم إلكتروني، لكنه ليس تعليمًا عن بُعد.

ثم لدينا التعلّم عبر الإنترنت، وهو تعلم يعتمد بصورة مباشرة على اتصال الإنترنت للوصول إلى المحتوى والتفاعل والأنشطة.

وبالتالي:

ليس كل تعليم إلكتروني تعليمًا عن بُعد، وليس كل تعليم عن بُعد بدأ بالإنترنت، وليس مجرد الاتصال بالإنترنت دليلًا على حدوث التعلّم.

وهذا يعيدنا إلى الفكرة التي بنيناها في المقال السابق: التقنية ليست هي التعلّم، بل بيئة يمكن أن يحدث التعلّم من خلالها.

لم يعد المكان فقط مرنًا… بل الوقت أيضًا

مع التعليم عبر الإنترنت ظهر تمييز آخر مهم. يمكن أن يحدث التعليم بصورة متزامنة.

المعلم والطلاب موجودون في الوقت نفسه، يتحدثون ويرون بعضهم بعضًا ويتناقشون مباشرة، حتى لو كانوا في أماكن مختلفة. هنا تغير المكان، لكن الوقت ما زال واحدًا.

ويمكن أيضًا أن يحدث بصورة غير متزامنة.

يضع المعلم درسًا أو فيديو أو قراءة أو نشاطًا، ويدخل الطالب إليه في الوقت الذي يناسبه. يقرأ. يشاهد. يحل. يرسل. يناقش. ويعود لاحقًا.

هنا أصبح المكان مختلفًا، والوقت أيضًا يمكن أن يكون مختلفًا.

وهذه نقلة شديدة الأهمية:

التعليم عن بُعد لم يحرر التعلّم من المكان فقط، بل بدأ يحرره جزئيًا من الوقت أيضًا.

لكن، وكما يحدث دائمًا في رحلتنا، كل حرية جديدة تخلق مسؤولية جديدة.

عندما أصبحت الحرية تحتاج إلى انضباط

داخل المدرسة هناك نظام ينظم يوم الطالب. موعد للحضور. جدول للحصص. معلم أمامه. زملاء حوله. جرس يعلن البداية والنهاية. ونظام يحدد ما يجب فعله ومتى.

أما عندما يصبح التعلم أكثر مرونة، فإن جزءًا من هذه المسؤولية ينتقل إلى المتعلم.

متى سأدرس؟ هل سأشاهد الدرس الآن أم أؤجله؟ هل أنجزت المهمة؟ هل فهمت ما شاهدته؟ هل أحتاج إلى العودة إلى الجزء السابق؟

وهنا تظهر أهمية مهارات مثل إدارة الوقت والتعلم الذاتي والانضباط.

كلما ازدادت مرونة التعلّم، ازدادت الحاجة إلى قدرة المتعلم على إدارة نفسه.

ولهذا قد تكون المرونة ميزة كبيرة لشخص بالغ أو متعلم قادر على تنظيم وقته، بينما تصبح تحديًا لطفل صغير يحتاج إلى متابعة مستمرة.

وهنا نكتشف مرة أخرى أن التقنية لا تعمل بالطريقة نفسها مع جميع المتعلمين.

المنصة: هل أصبح للفصل مكان رقمي؟

مع تطور التعليم الإلكتروني ظهرت منصات وأنظمة إدارة التعلم، وأصبح من الممكن جمع أجزاء كثيرة من العملية التعليمية في مكان رقمي واحد.

المحتوى. الواجبات. الإعلانات. الدرجات. الاختبارات. الحضور. المناقشات. التواصل بين المعلم والطلاب.

وأصبح للطالب حساب يدخل من خلاله إلى بيئة مرتبطة بمدرسته أو جامعته. بشكل ما، بدأ الفصل يحصل على امتداد رقمي.

لكن هنا نحتاج إلى الانتباه إلى الفرق الذي تحدثنا عنه سابقًا.

وجود منصة لا يعني تلقائيًا وجود تعلّم رقمي جيد. فالمنصة قد تكون مكانًا نرفع عليه ملفات فقط، أو نظامًا للواجبات والرسائل، أو بيئة تفاعلية متكاملة.

المنصة تستطيع تنظيم التعليم، لكنها لا تضمن حدوث التعلّم.

وسنعود إلى هذه النقطة بصورة أعمق في المقال التالي، لأنها تفتح سؤالًا كبيرًا: لماذا تمتلك كثير من المدارس والمنظومات أدوات رقمية متقدمة بينما يظل جوهر التعليم نفسه تقليديًا؟

هل نقل المحاضرة إلى الشاشة يعني أننا غيرنا التعليم؟

هنا تظهر واحدة من أهم المشكلات المفاهيمية.

لنفترض أن المعلم كان يقف في الفصل ويتحدث لمدة ساعة. ثم وضعنا أمامه كاميرا. وأصبح الطلاب يشاهدونه لمدة ساعة من منازلهم.

ما الذي تغير؟

تغير المكان بالتأكيد. لكن هل تغيرت طريقة التعلّم؟

ليس بالضرورة.

قد نكون أخذنا النموذج نفسه ونقلناه من القاعة إلى الشاشة.

تمامًا كما قلنا في المقال السابق إن تحويل الكتاب إلى PDF لا يحول التعليم وحده إلى تعليم رقمي.

يمكننا أيضًا أن نقول:

نقل المحاضرة من القاعة إلى الشاشة لا يعني بالضرورة أننا أعدنا تصميم التعلّم.

يمكن استخدام البيئة الرقمية بصورة مختلفة: أنشطة قصيرة، نقاشات، محتوى متنوع، أسئلة، تعاون، مهام، تغذية راجعة، وتعلم بالسرعة المناسبة.

لكن هذا يحتاج إلى تصميم للتجربة التعليمية، وليس فقط إلى رابط اجتماع.

وهذا الفرق سيظهر بوضوح شديد عندما يصل العالم إلى أحد أكبر الاختبارات التي واجهت التعليم الحديث.

عندما أجبرت كورونا العالم على الخروج من الفصل

كان التعليم عن بُعد موجودًا قبل عام 2020 بسنوات طويلة، وكذلك التعليم الإلكتروني والمنصات والفصول الافتراضية.

لكن جائحة كورونا أحدثت شيئًا مختلفًا.

لم يعد استخدام التعليم عن بُعد اختيارًا أو مشروعًا محدودًا لبعض المؤسسات. أغلقت المدارس والجامعات في أعداد هائلة من الدول خلال فترة قصيرة، واضطرت المؤسسات إلى البحث عن أي وسيلة تسمح باستمرار التعليم.

في ذروة الأزمة تأثر أكثر من 1.6 مليار متعلم بإغلاق المؤسسات التعليمية حول العالم. (unesco.org)

استخدمت بعض الدول منصات إلكترونية. واستخدمت أخرى التلفزيون أو الراديو. ولجأت مدارس كثيرة إلى الاجتماعات بالفيديو والرسائل والتطبيقات والمواد الرقمية.

وفجأة أصبح المنزل فصلًا، والشاشة سبورة، والكاميرا نافذة بين المعلم والطلاب.

لكن هذه التجربة كشفت شيئًا مهمًا جدًا.

ما حدث في كثير من الحالات لم يكن تعليمًا إلكترونيًا صُمم منذ البداية ليعمل عبر الإنترنت. كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على استمرارية التعليم أثناء أزمة مفاجئة.

ولهذا ظهر مصطلح مهم: التدريس الطارئ عن بُعد.

فالباحثون الذين ناقشوا التجربة في 2020 ميزوا بين التعليم الإلكتروني المصمم بعناية منذ البداية، وبين الانتقال المؤقت والسريع إلى التدريس عن بُعد بسبب الأزمة؛ فالتعليم الإلكتروني الجيد يحتاج إلى تخطيط وتصميم ودعم، وليس مجرد نقل المادة إلى الإنترنت في أيام قليلة. (er.educause.edu)

وهذا فرق جوهري.

كورونا لم تخترع التعليم عن بُعد… لكنها اختبرت المنظومة

ربما كانت إحدى أهم نتائج تلك المرحلة أنها كشفت الفرق بين امتلاك أدوات رقمية وبين الاستعداد للتعليم الرقمي.

قد تكون المدرسة لديها أجهزة. وقد تكون لديها منصة. وقد يستخدم المعلم البريد الإلكتروني.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها قادرة في صباح اليوم التالي على نقل العملية التعليمية كاملة إلى الإنترنت.

فجأة ظهرت أسئلة لم تكن ظاهرة بالوضوح نفسه.

هل المعلم مستعد؟ هل الطالب لديه جهاز؟ هل الإنترنت مناسب؟ كيف تتم الحصة؟ كيف نعرف أن الطالب يتابع؟ كيف نقيمه؟ كيف يتفاعل مع زملائه؟ وكيف يتعلم طفل صغير من المنزل؟

كما كشفت الجائحة فجوات كانت موجودة أصلًا، ولم تصنعها هي. وقد وصفت اليونسكو الأزمة بأنها كشفت تفاوتات تعليمية قائمة بين المجتمعات، وكان المتعلمون الأكثر هشاشة من الأكثر تأثرًا بها. (unesco.org)

وهنا أصبحت التكنولوجيا اختبارًا للمنظومة كلها، لا للجهاز وحده.

عندما أصبح المنزل جزءًا من الفصل

قبل التعليم عن بُعد كان من السهل أن نفصل نسبيًا بين المدرسة والمنزل.

الطالب يذهب إلى المدرسة. يتعلم. ثم يعود إلى أسرته.

لكن عندما انتقلت الحصة إلى المنزل، تغيرت الحدود.

أصبح الإنترنت المنزلي جزءًا من التعليم. والجهاز الموجود في البيت جزءًا من التعليم. والمكان الهادئ جزءًا من التعليم.

وأصبح دور الأسرة أكثر وضوحًا، خصوصًا مع الأطفال الصغار.

من يتأكد أن الطفل دخل إلى الحصة؟ من يساعده إذا لم يعمل الصوت؟ من ينظم وقته؟ من يبعد المشتتات؟ ومن يتدخل عندما لا يفهم ما يجب عليه فعله؟

وهنا يمكن أن نقول:

عندما أصبح المنزل فصلًا دراسيًا، أصبحت ظروف المنزل نفسها جزءًا من ظروف التعليم.

وهذا يفسر أيضًا لماذا لا يمكن أن يكون التعليم عن بُعد تجربة متساوية لجميع الأطفال حتى عندما يدرسون المنهج نفسه.

والمعلم أمام فصل لا يستطيع رؤيته بالطريقة نفسها

تغيرت تجربة المعلم أيضًا.

في الفصل يستطيع أن ينظر إلى الطلاب. يرى من ينتبه. ومن يبدو عليه الارتباك. ومن يريد أن يسأل. ويشعر بإيقاع الفصل.

أما على الشاشة، فقد يتحول الطلاب إلى مربعات صغيرة. بعض الكاميرات مغلقة. وبعض الاتصالات تنقطع. وقد يكون الطالب موجودًا أمام الشاشة جسديًا، لكنه بعيد ذهنيًا.

وهنا يتضح أن التدريس عبر الإنترنت يحتاج إلى مهارات تختلف عن مجرد معرفة تشغيل البرنامج.

كيف تقسم الدرس؟ كيف تحافظ على التفاعل؟ متى تتحدث؟ ومتى تجعل الطالب يعمل؟ كيف تعرف أنه فهم؟ كيف تصمم نشاطًا يصلح لشخص يجلس في مكان مختلف؟

ومن هنا نصل إلى قاعدة مهمة:

المعلم الرقمي ليس معلمًا تقليديًا أضفنا أمامه كاميرا؛ بل معلم يحتاج إلى إعادة تصميم طريقة التواصل والشرح والنشاط والتقييم.

هل التعليم الحضوري أفضل أم التعليم عن بُعد؟

ربما يكون هذا السؤال نفسه غير دقيق.

لأن الإجابة تختلف باختلاف الهدف والمتعلم والمادة والظروف.

هناك محتوى يمكن تعلمه بكفاءة كبيرة عن بُعد. وهناك تعلم يحتاج إلى مختبر. أو ورشة. أو ممارسة عملية. أو تفاعل إنساني مباشر.

كما أن طفلًا صغيرًا ليس مثل طالب جامعي، وطالبًا يتعلم مهارة جراحية ليس مثل شخص يدرس لغة أو إدارة.

ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر فائدة:

أي بيئة تعليمية أنسب لهذا المتعلم، ولهذا الهدف، ولهذا المحتوى، وفي هذه الظروف؟

ومن هذا السؤال ظهرت أهمية نموذج يجمع بين العالمين.

التعليم المدمج… عندما لم نعد مضطرين إلى الاختيار

لماذا يجب أن يكون التعليم إما حضوريًا بالكامل أو رقميًا بالكامل؟

يمكن أن يقرأ الطالب أو يشاهد مادة قبل الحصة. ثم يأتي إلى المدرسة ليناقش ويجرب ويطبق.

وقد ينفذ تجربة أو نشاطًا جماعيًا داخل الفصل. ثم يعود إلى المنصة لاستكمال بحث أو واجب أو نقاش.

هنا لا تحاول الشاشة أن تحل محل المدرسة. ولا تحاول المدرسة تجاهل العالم الرقمي.

بل يتم توزيع تجربة التعلّم بين البيئتين.

وهذه هي الفكرة الأساسية في التعلّم المدمج.

ربما لم يكن مستقبل التعليم في استبدال الفصل بالشاشة، بل في معرفة ما الذي يجب أن يحدث داخل الفصل، وما الذي يمكن أن يحدث خارجه، ولماذا.

وهنا تصبح التكنولوجيا وسيلة لتوسيع مساحة التعلم، وليس فقط لنقل الفصل إلى مكان آخر.

لكن إذا كانت الأدوات موجودة… فلماذا بقي التعليم تقليديًا؟

وصلنا الآن إلى مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.

لدينا حواسيب. وإنترنت. ومنصات. وفيديو. وفصول افتراضية. ومحتوى رقمي. وأدوات لم يكن المعلم أو الطالب يستطيع تخيلها قبل عقود قليلة.

ومع ذلك، عندما ندخل إلى كثير من المدارس حول العالم، سنجد صورة مألوفة جدًا:

معلم أمام الطلاب. كتاب أو منهج. شرح. واجب. اختبار.

بل قد تكون لدى المدرسة منصة رقمية متطورة، لكنها تستخدم أساسًا لإرسال التعليمات والواجبات والدرجات والرسائل، بينما يظل التعليم نفسه يحدث بالطريقة التقليدية.

فإذا أصبحت الأدوات موجودة، وأثبتت الأزمات أنه يمكن استخدامها، لماذا لم يتغير التعليم بالسرعة نفسها التي تغيرت بها التكنولوجيا؟

هل المشكلة في التقنية؟ أم المعلم؟ أم المنهج؟ أم الامتحان؟ أم المؤسسة؟ أم الاعتراف والشهادة؟ أم أن المدرسة نفسها تؤدي وظائف لا تستطيع الشاشة أن تستبدلها؟

ربما تكون المشكلة أعمق من كل ذلك.

وربما غيّرنا الأدوات أسرع مما غيّرنا فلسفة التعليم.

وهذا سيكون سؤال المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:

الإنسان يتعلّم (13): عندما دخلت التكنولوجيا المدرسة… لماذا بقي التعليم تقليديًا؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (12): عندما خرج الفصل من جدرانه… كيف غيّر التعليم الإلكتروني والتعلّم عن بُعد معنى المكان؟. Hesham Khalafallah.