AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (2): قبل المدرسة… حين كان التعلّم يبدأ بالملاحظة والحكاية

قبل المدرسة والكتاب والمناهج، كان الإنسان يتعلّم بالملاحظة والتقليد والتجربة والحكاية. تأمل في جذور التعلّم الإنساني، ودور الأسرة والبيئة في تشكيل علاقتنا الأولى بالمعرفة منذ الطفولة.

مقال بقلم هشام خلف الله يستكشف كيف يبدأ التعلّم قبل المدرسة من خلال الأسرة، والملاحظة، والحكاية، والبيئة الاجتماعية، ودورها في تشكيل علاقة الطفل الأولى بالمعرفة.

في المقال السابق بدأت الرحلة من علاقتنا المتغيرة بالمعرفة، وكيف انتقل الإنسان من الحكاية والكتاب إلى الإنترنت والذكاء الاصطناعي.

لكن قبل المدرسة والكتاب، وقبل أن تكون هناك مناهج وشهادات وفصول دراسية، كان الإنسان يتعلّم بالفعل.

والأجمل في هذه الفكرة أن تلك البداية القديمة للتعلّم ليست بعيدة عنا كما قد نتصور؛ فنحن أيضًا نبدأ رحلتنا مع المعرفة منذ الميلاد، ومع أول إدراك لنا للأسرة والبيئة المحيطة، أي قبل سنوات من دخول المدرسة.

قبل أن يدخل الإنسان المدرسة، تكون الحياة قد بدأت تعليمه بالفعل.

التعلّم كان جزءًا من الحياة

في المجتمعات الأولى لم يكن هناك وقت اسمه «وقت الدراسة» ووقت آخر للحياة.

كانت الحياة نفسها هي مساحة التعلّم.

كان الإنسان يحتاج إلى أن يعرف كيف يجد الطعام، ويتعامل مع الطبيعة، ويصنع أدواته، ويحمي نفسه، ويتواصل مع الآخرين. وكان يتعلم ذلك بأبسط الطرق وأكثرها إنسانية: يراقب من يعرف أكثر منه، يقلده، يحاول، يخطئ، ثم يحاول من جديد.

وكانت المعرفة وقتها ليست مجرد معلومات، بل خبرة قابلة للاستخدام.

لم يكن الإنسان يتعلم شيئًا لأنه سيُسأل عنه في اختبار، بل لأنه يحتاج إليه في موقف حقيقي من حياته.

وربما يدفعنا ذلك اليوم إلى التفكير في المسافة التي نشأت أحيانًا بين ما نتعلمه وما نستخدمه، وبين التعلم من أجل المعرفة والتعلم من أجل الحياة والقدرة على توظيف ما تعلمناه.

ومنذ تلك البدايات ظهرت آليات ما زالت في جوهر عملية التعلم حتى اليوم:

الملاحظة، والتقليد، والتجربة، والممارسة.

لم يكن الإنسان يعرف هذه المسميات، ولم تكن هناك نظريات تربوية تشرحها.

كان فقط… يتعلّم.

المجتمع كان المدرسة

في المجتمعات الأولى كان المجتمع نفسه بيئة للتعلّم.

كان الإنسان يتعلم أثناء العمل والحركة والمشاهدة والمشاركة، وليس فقط في وقت أو مكان مخصصين لذلك.

واللافت أننا نعود اليوم إلى كثير من هذه الأفكار بأسماء حديثة: التعلم بالممارسة، والتعلم التجريبي، والتعلم الاجتماعي، والتعلم القائم على المشروعات.

أحيانًا نضع اسمًا حديثًا لفكرة مارسها الإنسان بصورة تلقائية وبسيطة منذ زمن بعيد.

والشيء نفسه يحدث مع الطفل.

فالطفل لا ينتظر أول يوم في المدرسة حتى يبدأ التعلّم. قبل أن يعرف الفصل والمعلم والكتاب المدرسي، تكون الأسرة والبيئة المحيطة قد بدأت بالفعل في تشكيل لغته وسلوكه وطريقة تفكيره، بل وعلاقته النفسية بالمعرفة نفسها.

مدرستي الأولى قبل المدرسة

أتذكر ذلك بوضوح في تجربتي الشخصية.

كانت أمي حريصة جدًا على أن أتعلم قراءة القرآن الكريم وحفظه. وكان دافعها إيمانيًا بسيطًا وعميقًا؛ كانت ترى أن القرآن يحفظني ويجعلني قريبًا من الله.

لم أكن أفكر وقتها في الأمر باعتباره «تجربة تعليمية»، لكنني أدرك اليوم أن هذه الممارسة المبكرة كانت جزءًا من علاقتي الأولى بالكلمة والقراءة والحفظ والتعلّم.

وكان أبي، رحمه الله، حريصًا على الحديث معي باستمرار في أمور مختلفة من الحياة. كان يحكي القصص ويناقشني ويتحدث معنا كثيرًا.

وهكذا أصبحت الحكاية والحوار مصدرًا آخر للمعرفة.

حتى إخوتي كانوا جزءًا من عملية تعلّمي من دون أن تكون هناك نية مباشرة لتعليم طفل صغير.

كنت أجلس إلى جوارهم أثناء مذاكرتهم، أستمع لما يقرؤونه ويتحدثون فيه، وأتذكر أنني كنت أقلد خط أخي الأكبر لمجرد أن خطه كان يعجبني.

لم يقل لي أحد وقتها إنني أمارس «التعلم بالملاحظة» أو «التعلم الاجتماعي».

كنت فقط أراقب… وأقلد… وأتعلّم.

الأسرة لا تنقل المعرفة فقط

وربما الأمر أعمق من اكتساب بعض المعلومات والمهارات.

فالبيئة التي ينشأ فيها الطفل تساعد في تشكيل علاقته النفسية والاجتماعية بالتعلّم نفسه.

من خلالها يتكون جزء من شعوره تجاه السؤال والخطأ والكتاب والفضول والاكتشاف، بل وحتى تجاه أهمية التعليم ذاته.

وقد ترتبط المعرفة في وجدانه بالمتعة والتجربة والحوار، أو ترتبط بالخوف والضغط والواجب الثقيل.

ومع مرور السنوات وجدت نفسي أكرر الفكرة نفسها بصورة مختلفة عندما أصبحت أبًا.

كنت أقرأ القصص لابنتي وهي صغيرة، وأحرص على أن يكون الكتاب والصورة والحكاية جزءًا من عالمها المبكر.

لم يكن الهدف أن تحفظ قصة أو تتعلم معلومة بعينها، بقدر ما كنت أحاول أن أجعل الكتاب شيئًا مألوفًا ومحببًا، وأن ترتبط القراءة في وجدانها بالخيال والفضول والاكتشاف.

وهنا أدركت أن ما نفعله مع أطفالنا قبل المدرسة ليس مجرد تمهيد للدراسة.

فنحن نساعد، بقصد أو من دون قصد، في تشكيل كيف يتعلّمون وكيف يشعرون تجاه التعلّم.

وماذا يحدث عندما تغيب بيئة التعلّم؟

وهنا أعتقد أن مسؤولية الأسرة تصبح أعمق من توفير الطعام والملبس والاحتياجات الأساسية وحدها.

فالطفل يحتاج أيضًا إلى من يتحدث معه، ويستمع إليه، ويجيب عن أسئلته، ويحكي له، ويساعده على فهم الصواب والخطأ، ويترك أمامه مساحة للاكتشاف والتجربة.

لكن ضغوط الحياة والعمل، أو المشكلات والتفكك الأسري، أو مجرد الانشغال المستمر، قد تجعل هذه المساحة محدودة في بعض البيوت.

وحين يغيب الحوار والمشاركة، لا يتوقف الطفل عن التعلّم.

هو سيظل يتعلّم… لكن السؤال يصبح: ممن؟ ومن ماذا؟

قد يصبح التلفزيون أو الهاتف أو منصات الفيديو هي المصدر الأكثر حضورًا في حياته. وقد تترسخ لديه رسائل سلبية عن المدرسة أو التعليم إذا كان يسمعها باستمرار ممن حوله.

وهنا تظهر مفارقة مهمة:

غياب التعليم داخل البيئة الأسرية لا يعني غياب التعلّم؛ بل قد يعني أن مصادر أخرى ستتولى تشكيله.

فالطفل بطبيعته يراقب ويقلد ويكتشف. وإذا لم نوفر له بيئة تساعده على توجيه هذه الفطرة، فسوف يجد البيئة من حوله، أيا كانت، لتقوم بهذا الدور.

ولهذا أرى أن التربية لا تنفصل عن التعليم.

ليست التربية فقط أن نحمي الطفل ونوفر احتياجاته، بل أن نساعده على بناء الفضول، والحوار، والقدرة على السؤال، وحب المعرفة، والثقة في قدرته على التعلّم.

ما تغيّر هو العالم… لا البداية

فالطفل الذي يولد اليوم يأتي إلى عالم مختلف تمامًا عن عالم الإنسان الأول.

حول الطفل اليوم شاشة وهاتف وإنترنت وفيديو وذكاء اصطناعي، بينما عاش الإنسان القديم وسط الطبيعة والجماعة والحكاية الشفهية.

ومع ذلك تبدأ رحلة الاثنين بطريقة متشابهة بصورة لافتة.

الطفل ينظر، ويستمع، ويقلد، ويجرب، ويخطئ، ثم يعيد المحاولة ويتعلم ممن حوله.

وهي الآليات الأساسية نفسها التي اعتمد عليها الإنسان منذ بدايات رحلته مع المعرفة.

تغيّرت البيئة، وتراكمت المعرفة، وتطورت الأدوات والسرعة، لكن الطبيعة الإنسانية الأساسية للتعلّم بقيت حاضرة.

وقبل أن يتعلّم الإنسان من جهاز أو كتاب أو منصة، كان يتعلّم من إنسان آخر ومن العالم المحيط به.

الحكاية… ذاكرة قبل الكتاب

لكن ماذا يحدث عندما يريد الإنسان أن ينقل خبرة إلى شخص لم يكن حاضرًا وقت حدوثها؟

هنا لعبت الحكاية دورًا بالغ الأهمية.

فقبل الكتابة، كان ما يكتشفه فرد أو تتعلمه جماعة ينتقل إلى الآخرين بالكلام والقصص والتجارب.

قصة عن رحلة أو خطر أو خطأ أو نجاح لم تكن مجرد وسيلة للترفيه؛ بل كانت تحمل خبرة يستطيع أن يتعلم منها إنسان لم يعش التجربة بنفسه.

وقبل أن توجد المكتبات، كانت ذاكرة الإنسان هي المكتبة.

وقبل أن يوجد الكتاب، كان الإنسان نفسه حامل المعرفة ووسيلة نقلها.

لكن الذاكرة لها حدود.

المعرفة التي تعتمد فقط على ذاكرة الإنسان معرضة للنسيان والتغيير والضياع، والحكاية يمكن أن تتغير كلما انتقلت من شخص إلى آخر.

ومع نمو المجتمعات وتراكم الخبرات والمعاملات والمعارف، لم يعد الاعتماد على الذاكرة والحكاية وحدهما كافيًا.

احتاج الإنسان إلى شيء يحفظ المعرفة خارج عقله.

شيء يبقى بعد غياب صاحبه، ويصل إلى إنسان قد لا يلتقي به أبدًا.

وهنا حدثت واحدة من أهم القفزات في تاريخ الإنسان والتعلّم:

نجح الإنسان في أن يمنح المعرفة ذاكرة لا تعتمد فقط على الإنسان نفسه.

وهنا تبدأ قصة الكتابة.

ومعها لم يعد الإنسان قادرًا فقط على أن يعرف ويتذكر ويحكي…

بل أصبح قادرًا على أن يترك المعرفة بعده.

ومن هنا تبدأ المحطة التالية من رحلتنا.

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (2): قبل المدرسة… حين كان التعلّم يبدأ بالملاحظة والحكاية. Hesham Khalafallah.