منذ سنوات، وكلما اقتربت أكثر من مجالات التعليم والتكنولوجيا والتدريب والتحول الرقمي، كان هناك سؤال يعود إليّ بصور مختلفة:
هل نحن فعلًا نطوّر التعليم؟ أم أننا نحاول باستمرار تطوير طرق التعليم والتعلّم لتتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية والتكنولوجية؟ وربما، في بعض الأحيان، لا نفعل أكثر من تغيير الأدوات التي نستخدمها.
انتقلنا من السبورة إلى الشاشة، ومن الكتاب إلى المنصة، ومن المحاضرة داخل القاعة إلى الفصل الافتراضي والاجتماع عبر الإنترنت. ثم جاء الواقع الافتراضي، والميتافيرس، والذكاء الاصطناعي.
ومع كل موجة جديدة من التكنولوجيا، نسارع إلى الحديث عن «مستقبل التعليم».
لكن مع الوقت والتجربة، بدأت أكتشف أن المسألة أعمق بكثير من جهاز جديد، أو منصة أكثر تطورًا، أو تقنية تحمل اسمًا جديدًا.
فالتعليم لم يبدأ بالمدرسة، والتعلّم لم يبدأ بالكتاب.
كان الإنسان يتعلّم قبل أن يخترع الكتابة، وقبل أن يعرف الفصل الدراسي، وقبل أن توجد جامعة أو شهادة أو منهج. تعلّم بالملاحظة والتقليد والتجربة والخطأ والحكاية، ثم نقل ما عرفه إلى من جاء بعده.
جيل عاش التحول
وربما كنتُ من جيل يمكن وصفه بأنه محظوظ… أو ربما أقل حظًا!
محظوظ لأنه عايش واحدًا من أسرع التحولات التكنولوجية، وأقل حظًا لأنه اضطر إلى التكيف مرة بعد أخرى مع عالم لا يكاد يستقر على شكل حتى يتغير من جديد.
في عام 2000 كنت ما أزال طالبًا في المرحلة الثانوية، وأتذكر جيدًا أول حاسوب امتلكته. كانت إمكاناته في ذلك الوقت تبدو لي مذهلة.
وأتذكر أيضًا أول اتصال لي بالإنترنت عبر المودم؛ ذلك الصوت الذي كان يسبق الاتصال بالشبكة، والانتظار الذي أصبح اليوم جزءًا من ذكريات جيل كامل.
ما كنا نعتبره وقتها تطورًا كبيرًا يبدو اليوم شديد البساطة أمام الهواتف الذكية، والألياف الضوئية، وشبكات الاتصالات الحديثة، والقدرة على الوصول إلى المعرفة في أي وقت تقريبًا ومن أي مكان.
وأتذكر أيضًا عندما كنا نذهب إلى غرفة أو قاعة «مناهل المعرفة» لمشاهدة فيلم تسجيلي أو شرح لإحدى المواد باستخدام جهاز العرض. كان مجرد الخروج من الفصل والذهاب إلى تلك القاعة أشبه بفسحة أو رحلة صغيرة.
كانت الصورة المتحركة في حد ذاتها تجربة تعليمية مختلفة.
أما البحث عن المعرفة، فكان يعني غالبًا الذهاب إلى المكتبة، والبحث بين الرفوف، واستعارة كتاب، ثم العودة إليه أكثر من مرة للوصول إلى معلومة نحتاجها.
اليوم يستطيع طفل أن يسأل هاتفه سؤالًا بصوته، فيحصل خلال ثوانٍ على نص وصورة وفيديو، وربما على شرح مخصص له من نموذج للذكاء الاصطناعي.
والفارق هنا ليس مجرد السرعة.
الفارق أن علاقة الإنسان نفسها بالمعرفة تغيّرت.
عندما تغيّر الإنسان… تغيّر السؤال
ومع هذه الذكريات والتجارب، أدركت أن البحث عن إجابة واحدة لم يعد كافيًا.
فالمتغيرات تتسارع في كل جوانب الحياة، وفي الوقت نفسه تتغير طبيعة المتعلم نفسه: طريقة انتباهه، ومصادر معرفته، وسرعة وصوله إلى المعلومة، وطريقة تفاعله معها.
لذلك لم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد بحث عن طريقة أفضل لاستخدام التكنولوجيا في التعليم، بل محاولة لفهم كيف غيّرت الحياة والتكنولوجيا الإنسان، وكيف يفرض هذا الإنسان المتغيّر إعادة التفكير في طريقة تعلّمه وتعليمه.
فالإنسان الذي عاش في عالم يعتمد على الحكاية ليس هو نفسه الإنسان الذي عاش مع الكتاب.
والإنسان الذي نشأ أمام التلفزيون ليس هو نفسه الذي نشأ مع الإنترنت.
والإنسان الذي كان يذهب إلى المكتبة بحثًا عن معلومة ليس هو نفسه الذي يحمل اليوم هاتفًا ذكيًا، ويتنقل خلال دقائق بين رسالة وإشعار وفيديو قصير ومحرك بحث ومساعد ذكاء اصطناعي.
ومع تغير المتعلم، يصبح من الطبيعي أن تتغير معه طريقة تقديم المعرفة وتصميم تجربة التعلم.
رحلة الإنسان مع المعرفة
لهذا أعتقد أنه لا يمكن فهم التعليم فقط من خلال المدارس والجامعات والمنصات.
علينا أن نفهم أولًا رحلة الإنسان مع المعرفة؛ كيف اكتسبها، وحفظها، ونقلها إلى الآخرين، وكيف تغيرت علاقته بها في كل مرة ظهرت فيها وسيلة جديدة للتواصل أو التعلم.
من الحكاية إلى الكتابة، ومن الكتاب إلى الطباعة، ومن الشاشة إلى الإنترنت، ثم إلى العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ لم تتغير الأدوات وحدها، بل تغير معها الإنسان وطريقته في الوصول إلى المعرفة والتعامل معها.
ومن هنا تبدأ هذه الرحلة.
كلما تغيّرت الطريقة التي ينتج بها الإنسان المعرفة، ويحفظها، وينقلها، ويصل إليها، تغيّرت الطريقة التي يتعلّم بها… ومع كل تغيّر في طريقة التعلّم، يتغيّر الإنسان نفسه.
وقبل أن نصل إلى الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم، ربما يكون علينا أن نعود إلى البداية:
كيف كان الإنسان يتعلّم قبل أن توجد المدرسة أصلًا؟
