من المشاهدة إلى التفاعل
في المقال السابق أضفنا عنصرًا جديدًا إلى منظومة التعليم: الوسيلة التعليمية.
أصبح المعلم يستطيع استخدام الصورة والصوت والفيلم والتلفزيون والفيديو لكي ينقل إلى الفصل عالمًا لم يكن يستطيع إحضاره بالكلمات وحدها. أصبح الطالب يرى الحيوان يتحرك، ويسمع الصوت الحقيقي، ويشاهد التجربة والمدينة والطبيعة بدل أن يكتفي بوصفها.
لكن العلاقة مع معظم هذه الوسائل ظلت في اتجاه واحد. الوسيلة تعرض، والطالب يشاهد أو يستمع.
حتى عندما كان المحتوى رائعًا، لم تكن الشاشة تعرف من يجلس أمامها، ولم تكن تعرف هل فهم أم لم يفهم، ولم تكن تنتظر منه إجابة.
ثم دخل إلى المشهد جهاز مختلف. جهاز لم يُصنع في الأصل لكي يكون معلمًا، ولم يدخل المدرسة في البداية لكي نتعلم من خلاله.
كان الحاسوب.
ومعه بدأت مرحلة جديدة؛ لأن الشاشة لم تعد فقط شيئًا ننظر إليه.
بدأت تستجيب لما نفعله.
عندما لم يكن الحاسوب وسيلة تعليم
من السهل اليوم أن نربط كلمة «كمبيوتر» بالتعليم والبحث والمعلومات.
لكن الحاسوب لم يبدأ هكذا.
كانت الحواسيب الأولى آلات كبيرة ومعقدة ومكلفة، صُممت أساسًا لتنفيذ الحسابات ومعالجة البيانات، واستخدمتها المؤسسات العلمية والحكومية والجامعات والشركات في أعمال لم يكن الطالب العادي قريبًا منها.
ومع ذلك، كانت هناك محاولات مبكرة جدًا لاكتشاف إمكانية استخدام الحاسوب في التعليم. ففي جامعة إلينوي بدأ تطوير نظام PLATO نحو عام 1960 كتجربة للتعليم القائم على الحاسوب، وأصبح قادرًا على تقديم مواد تعليمية وتلقي استجابات من المتعلم وإعطائه تغذية راجعة. لكنه ظل في مراحله الأولى نموذجًا متقدمًا ومكلفًا بعيدًا عن التجربة اليومية لمعظم المدارس. (physics.illinois.edu)
وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة لرحلتنا.
ظهور الفكرة لا يعني انتشارها.
يمكن أن توجد تقنية مذهلة في مختبر أو جامعة، لكن تمر سنوات طويلة قبل أن تصبح متاحة لطفل عادي داخل مدرسة عادية.
والتحول الأكبر بدأ عندما أصبحت الحواسيب أصغر وأقل تكلفة، خصوصًا مع انتشار الحواسيب الشخصية منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. يشير متحف تاريخ الحاسوب إلى أن انخفاض تكلفة المعالجات والحواسيب الشخصية سمح لملايين الطلاب باستخدام الكمبيوتر في المدارس، ليس فقط لتعلم البرمجة، بل أيضًا لمواد مثل الرياضيات والكتابة والتاريخ. (computerhistory.org)
لكن حتى عند دخوله المدرسة، لم يصبح الحاسوب فورًا وسيلة نتعلم بها.
في كثير من الأحيان أصبح أولًا شيئًا جديدًا يجب علينا أن نتعلمه.
في البداية… كنا نتعلّم الكمبيوتر نفسه
ربما يتذكر كثيرون من جيلي تلك المرحلة.
لم يكن السؤال: كيف يساعدني الكمبيوتر على فهم العلوم أو الرياضيات؟
كان السؤال الأبسط:
ما هو الكمبيوتر أصلًا؟
ما الشاشة؟ ما لوحة المفاتيح؟ ما وحدة النظام؟ كيف نشغل الجهاز؟ كيف نفتح برنامجًا؟ كيف نكتب؟ كيف نحفظ ملفًا؟
وأحيانًا كيف نستخدم نظام التشغيل أو نكتب أوامر بسيطة أو نتعرف إلى أساسيات البرمجة.
وهكذا ظهر في مدارس كثيرة معمل الحاسب، وأصبحت هناك حصة للحاسب وكأننا أمام علم جديد له مكانه وأجهزته الخاصة.
وهذا كان منطقيًا.
فكيف يمكن أن نستخدم أداة في التعليم إذا كان الطالب والمعلم أنفسهما لا يعرفان بعد كيف يتعاملان معها؟
ولهذا أرى أن رحلة الحاسوب في التعليم مرت بتحول مهم جدًا:
في البداية كان الحاسوب موضوعًا للتعلّم، ثم أصبح تدريجيًا وسيلة للتعلّم.
ونحن نرى النمط نفسه تقريبًا مع تقنيات أخرى لاحقًا. في البداية نتعلم الأداة، ثم نتقنها، ثم ننسى أنها أداة جديدة أصلًا، ونبدأ في استخدامها لإنجاز شيء آخر.
العنصر الجديد في منظومة التعليم: التفاعل
هنا أعتقد أن الحاسوب أضاف شيئًا مختلفًا عن كل الوسائط التي سبقته.
الراديو أعطانا الصوت، والفيلم والتلفزيون أعطيانا الصوت والصورة والحركة.
أما الحاسوب فأضاف:
التفاعل.
أصبحت العلاقة لأول مرة تقريبًا تشبه حلقة مستمرة:
المتعلم يفعل شيئًا → الجهاز يستجيب → المتعلم يرى النتيجة → ثم يتخذ خطوة أخرى.
يكتب كلمة فيظهر شيء على الشاشة. يجيب عن سؤال فيعرف إذا كانت الإجابة صحيحة. يختار من قائمة فينتقل إلى محتوى آخر. يغيّر قيمة داخل برنامج فيرى النتيجة. يخطئ، فيعيد المحاولة.
وهنا حدث فرق جوهري.
لم تعد الشاشة تقول للمتعلم فقط:
انظر.
بدأت تقول له أيضًا:
افعل شيئًا.
وهذه، في رأيي، هي النقلة الحقيقية التي أدخلها الحاسوب إلى منظومة التعليم.
الحاسوب لم يكن مهمًا في التعليم لأنه أضاف شاشة جديدة، بل لأنه جعل المتعلم قادرًا على أن يفعل شيئًا بالمعرفة ويرى نتيجة ما فعله.
عندما أصبحت المعرفة قابلة للاستكشاف
فكر في الفرق بين خريطة مطبوعة وخريطة داخل برنامج.
الخريطة الورقية تعرض لك المكان. أما الخريطة الرقمية فيمكن أن تسمح لك بالبحث، والتكبير، والانتقال من منطقة إلى أخرى، وإظهار طبقات مختلفة من المعلومات.
وفكر في تجربة علمية.
يمكن للكتاب أن يصفها، ويمكن للفيديو أن يعرضها، لكن برنامج المحاكاة قد يسمح للطالب بتغيير أحد المتغيرات ثم مشاهدة ما يحدث.
ماذا لو زادت درجة الحرارة؟ ماذا لو تغيرت السرعة؟ ماذا لو غيرنا زاوية معينة؟
هنا لم يعد الطالب يشاهد تجربة شخص آخر فقط.
بدأ يجرب.
وهذا لا يعني أن المحاكاة يمكن أن تحل دائمًا محل التجربة الحقيقية، لكنها أضافت نوعًا جديدًا من التعلم؛ خصوصًا في الأشياء التي تكون مكلفة أو خطرة أو صعبة التنفيذ.
الأمر نفسه حدث في اللغة والرياضيات والكتابة والرسم.
بدأت تظهر برامج تستطيع أن تقدم تمرينًا، وتنتظر إجابة، ثم تعطي استجابة فورية.
وهذه كانت لحظة مهمة؛ لأن الطالب لم يعد مضطرًا دائمًا إلى انتظار المعلم لكي يعرف هل نجح في المحاولة أم لا.
بدأت التقنية تقدم ما نسميه اليوم التغذية الراجعة الفورية.
وهنا أخذ الحاسوب جزءًا جديدًا من الوظائف التي كانت مرتبطة سابقًا بالمعلم وحده.
من الكتاب والفيديو… إلى برنامج واحد يجمع كل شيء
ثم حدث شيء آخر مهم.
في المقال السابق كانت لدينا وسائل منفصلة.
كتاب للنص والصور، ومسجل للصوت، وتلفزيون للفيديو، وآلة حاسبة للحساب، وربما خريطة على الحائط.
لكن الحاسوب بدأ تدريجيًا يجمع كثيرًا من هذه الأشياء داخل جهاز واحد.
النص، والصورة، والصوت، والفيديو، والرسم، والحساب، والحركة، والتفاعل.
ثم جاءت الأقراص المدمجة والموسوعات الرقمية والبرامج التعليمية، فأصبح من الممكن أن نضع داخل برنامج واحد كمية كبيرة من المعلومات والوسائط.
وأعتقد أن هذه كانت من اللحظات المهمة في تاريخ الوسائل التعليمية.
لم نعد نضيف وسيلة جديدة بجانب الوسيلة القديمة فقط.
بدأنا نرى وسيلة تستطيع ابتلاع الوسائل الأخرى وجمعها داخلها.
لكنها أضافت فوق ذلك شيئًا جديدًا:
أن الطالب يستطيع اختيار ما يريد أن يراه.
وهكذا بدأ المتعلم يحصل على مساحة أكبر داخل تجربته التعليمية.
هل التفاعل يعني أن التعلّم أصبح أفضل؟
هنا يجب أن نعود مرة أخرى إلى الطريقة التي اتبعناها في هذه السلسلة.
كل حل جديد يفتح إمكانية، لكنه يخلق أيضًا سؤالًا جديدًا.
الحاسوب جعل الطالب يتفاعل.
لكن:
هل كل تفاعل يعني تعلّمًا؟
ليس بالضرورة.
يمكن للطالب أن يضغط عشرات الأزرار دون أن يفهم شيئًا. وقد يتنقل بين الصور والشاشات بسرعة، بينما لا يبني معرفة عميقة. وقد تكون اللعبة التعليمية ممتعة جدًا إلى درجة أن اهتمام الطفل يصبح بالفوز أكثر من المفهوم الذي صُممت اللعبة لتعليمه.
وهنا يجب أن نفرق بين نوعين من التفاعل.
هناك تفاعل مع الجهاز.
وهناك تفاعل مع المعرفة.
الأول قد يعني أنني ضغطت، واخترت، وسحبت، وكتبت.
أما الثاني فيعني أنني فكرت، وربطت، وجربت، وفهمت، وغيرت رأيي أو اكتسبت قدرة جديدة.
ولهذا نضيف قاعدة جديدة إلى رحلتنا:
كثرة التفاعل مع الشاشة لا تعني بالضرورة عمق التفاعل مع المعرفة.
وهي امتداد طبيعي لما قلناه في المقال السابق:
جاذبية الوسيلة لا تعني جودة التعلّم.
الأداة قد تصبح أكثر تطورًا، لكن سؤالنا يبقى واحدًا:
ماذا حدث داخل عقل المتعلم؟
وماذا حدث للمعلم؟
ومرة أخرى يعود المعلم إلى قلب القصة.
مع الكتاب والصورة والفيديو كان المعلم يختار الوسيلة ويشرح ما تعرضه.
لكن الكمبيوتر أصبح قادرًا على أشياء أكثر.
يسأل الطالب، ويستقبل إجابته، ويخبره أن الإجابة صحيحة أو خاطئة، ويحسب درجته، ويقدم له تمرينًا جديدًا، وأحيانًا يسمح له بالتقدم بالسرعة التي تناسبه.
ومن الطبيعي أن يظهر السؤال مرة أخرى:
إذا كان الجهاز يستطيع القيام بكل هذا، فماذا بقي للمعلم؟
لكن كما حدث مع الوسائل السابقة، لم تختفِ الحاجة إلى المعلم.
بل بدأت طبيعة دوره تتغير.
أصبح عليه أن يعرف البرنامج المناسب، وأن يحدد متى يستخدمه، وأن يفرق بين النشاط الذي يحتاج إلى كمبيوتر والنشاط الذي يكون أفضل بدونه، وأن يلاحظ الطالب الذي يتفاعل مع الشاشة لكنه لا يفهم، وأن يحول ما يحدث على الجهاز إلى جزء من تجربة تعلم أكبر.
وهنا يظهر درس سنراه مرة أخرى كلما تطورت التكنولوجيا:
كلما أصبحت الأداة أكثر قدرة، أصبح السؤال عن دور المعلم أكثر تعقيدًا.
فالتقنية لا تغير ما يستطيع الطالب أن يفعله فقط.
إنها تغير أيضًا ما نتوقعه من المعلم.
هل يصبح المعلم خبيرًا في الكمبيوتر أيضًا؟
وهنا ظهرت مشكلة عملية.
كان المعلم قد أمضى سنوات يتعلم مادته وطريقة تدريسها.
ثم دخل إلى فصله جهاز جديد.
وأصبح مطلوبًا منه أن يعرف كيف يشغله، وكيف يتعامل مع البرامج، وربما كيف يحل المشكلات التقنية البسيطة أيضًا.
أي أن إدخال الحاسوب لم يكن مجرد شراء أجهزة ووضعها في المدرسة.
كان يحتاج إلى إعداد الإنسان الذي سيستخدمها.
وهذا درس مهم جدًا.
يمكن للدولة أو المدرسة أن تشتري أحدث الأجهزة في وقت قصير.
لكن تغيير طريقة التعليم يحتاج إلى وقت أطول.
ويحتاج إلى تدريب، وثقة، وتجربة، وقبول للفشل والمحاولة.
ولذلك لا ينبغي أن ننظر إلى المعلم الذي لم يستخدم التقنية بسرعة باعتباره دائمًا رافضًا للتغيير.
قد يكون ببساطة أمام أداة لم يحصل على الوقت أو التدريب الكافي لفهم قيمتها.
وهنا نستعيد ما قلناه في المقال السابق:
نجاح التقنية في التعليم لا يتوقف فقط على قدرة التقنية، بل على قدرة المعلم على دمجها في التعلّم.
ومن يملك الحاسوب؟
لكن الكمبيوتر أضاف تحديًا جديدًا لم يكن واضحًا بالدرجة نفسها مع السبورة أو الكتاب.
التكلفة والوصول.
جهاز الكمبيوتر يحتاج إلى شراء، وكهرباء، وصيانة، وبرامج، ومكان، وتدريب.
وقد توجد مدرسة فيها معمل كامل، بينما توجد مدرسة أخرى لديها أجهزة قليلة أو لا تملكها أصلًا.
وقد يعيش طفل في منزل يحتوي على جهاز يستطيع استخدامه ساعات طويلة، بينما يكون زميله قادرًا على لمس الكمبيوتر مرة واحدة في الأسبوع داخل المدرسة.
وهنا دخل عنصر جديد إلى العدالة التعليمية:
الوصول إلى التكنولوجيا.
وهي مشكلة ما زالت معنا حتى اليوم. تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم لعام 2023 يشير إلى أن الوصول إلى الأجهزة والبنية الرقمية ما زال متفاوتًا بشدة بين المجتمعات وبين المدارس، وأن التكنولوجيا قد توسع الفرص، لكنها تستطيع أيضًا زيادة الفجوات إذا استفاد منها من يملكون الموارد أكثر من غيرهم. (gem-report-2023.unesco.org)
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأننا عندما نضيف تقنية إلى منظومة التعليم، يمكن أن نحل مشكلة تعليمية، لكننا قد نخلق في الوقت نفسه سؤالًا اجتماعيًا جديدًا:
هل يستطيع جميع المتعلمين الوصول إلى هذه الأداة بالقدر نفسه؟
ومن هنا ستبدأ لاحقًا فكرة الفجوة الرقمية في أخذ مساحة أكبر بكثير.
من ذكرياتي… عندما كان الكمبيوتر عالمًا جديدًا
أتذكر بداية احتكاكي بالكمبيوتر في تلك الفترة التي كان فيها الجهاز نفسه لا يزال شيئًا جديدًا ومثيرًا.
لم نكن ننظر إليه بالطريقة التي ينظر بها الطفل اليوم إلى الهاتف أو الجهاز اللوحي.
كان علينا أن نتعلم كيف نتعامل معه أولًا.
فكرة أن تكتب على الشاشة، وتحفظ ملفًا، وتفتح برنامجًا، وتستخدم لوحة المفاتيح والفأرة كانت في حد ذاتها مهارة جديدة.
وكان هناك فضول حقيقي تجاه الجهاز نفسه:
ماذا يستطيع أن يفعل؟
ومع الوقت بدأت العلاقة تتغير.
لم نعد ندخل إلى الكمبيوتر فقط لكي نتعلم الكمبيوتر.
بدأنا نكتب عليه، ونرسم، ونحسب، ونستخدم البرامج، ونستكشف محتوى تعليميًا.
وأصبح الجهاز الذي كان في البداية موضوعًا للدرس يتحول شيئًا فشيئًا إلى أداة تحمل الدرس نفسه.
وهذا التحول، في رأيي، أهم من دخول الجهاز إلى المدرسة في حد ذاته.
فالابتكار الحقيقي لا يحدث عندما نضع التقنية في الفصل.
يحدث عندما تبدأ التقنية في تغيير ما يستطيع المتعلم أن يفعله.
هل دخول الكمبيوتر يعني أننا طورنا التعليم؟
وهنا يجب أن نكون حذرين.
وجود معمل كمبيوتر جميل داخل المدرسة لا يعني تلقائيًا أن التعليم أصبح أفضل.
قد تستخدم أجهزة حديثة جدًا لتقديم الطريقة نفسها التي كانت تستخدم بالكتاب.
وقد يتحول الكمبيوتر إلى كتاب إلكتروني فقط.
أو إلى شاشة يعرض عليها المعلم شرائح بدل أن يكتب على السبورة.
وفي هذه الحالة تكون الأداة قد تغيرت، لكن تجربة التعلم ربما لم تتغير كثيرًا.
وهذه فكرة ما زالت شديدة الصلة بالتعليم حتى اليوم.
اليونسكو نفسها تحذر من قياس التطور التعليمي بعدد الأجهزة فقط، وتشدد على أن التكنولوجيا يجب أن تخدم هدفًا تعليميًا واضحًا وأن تظل احتياجات المتعلم في المركز. كما تشير إلى أمثلة لم يؤدِّ فيها توزيع الأجهزة وحده إلى تحسن التعلم عندما لم تُدمج التقنية بصورة مناسبة في الممارسة التعليمية. (gem-report-2023.unesco.org)
إذن لا يكفي أن نسأل:
هل توجد أجهزة في المدرسة؟
بل:
ما الذي أصبح الطالب قادرًا على تعلمه أو فعله بسبب وجودها ولم يكن يستطيع فعله بالطريقة نفسها من قبل؟
وهنا يظهر الفرق بين رقمنة التعليم وتطوير التعلم.
قد نحول الورقة إلى شاشة دون أن نغير شيئًا جوهريًا.
وقد نستخدم التقنية لكي نجعل الطالب يستكشف ويجرب ويحصل على تغذية راجعة ويتقدم بطريقة أكثر فاعلية.
الأداة واحدة.
لكن الفلسفة مختلفة.
الحاسوب غيّر العلاقة… لكنه ظل جزيرة
في نهاية هذه المرحلة، حدث شيء مهم جدًا.
أصبح لدينا جهاز يستطيع أن يجمع النص والصوت والصورة والفيديو، ويستقبل من المتعلم، ويستجيب له، ويقدم تمرينًا، ويحسب، ويحاكي، ويجعل المعرفة قابلة للتفاعل.
لكن بقيت مشكلة كبيرة.
المعرفة الموجودة في الجهاز كانت محدودة بما وضعناه داخله.
برنامج، وقرص، وملف، وموسوعة.
إذا أردنا معلومات جديدة، كان علينا أن نحصل على برنامج جديد أو قرص جديد أو ملف جديد.
كان الكمبيوتر قويًا.
لكنه في كثير من الأحيان كان جزيرة.
ثم حدث شيء سيغير ليس فقط الكمبيوتر، بل علاقتنا كلها بالمعرفة.
بدأت هذه الجزر تتصل ببعضها.
لم يعد جهازك يحتوي فقط على ما وضعته بداخله.
بدأ يستطيع الوصول إلى جهاز آخر، ثم إلى شبكة، ثم إلى شبكات حول العالم.
وفجأة لم يعد السؤال:
ماذا يوجد داخل هذا الكمبيوتر؟
أصبح السؤال:
إلى ماذا يستطيع هذا الكمبيوتر أن يصل؟
وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:
الإنسان يتعلّم (11): عندما أصبح العالم متصلًا… كيف غيّر الإنترنت علاقتنا بالمعرفة؟
