AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (19): عندما بدأت المنظومة ترى المتعلّم من خلال البيانات… هل يمكن أن يفهم التعليم كل إنسان بصورة أفضل؟

لفترة طويلة، كان التعليم يرى المتعلم في لحظات محددة: حضور، واجب، اختبار، ودرجة في نهاية الفصل. لكن مع المنصات الرقمية، والتعلم الإلكتروني، والهواتف، والذكاء الاصطناعي، والبيئات الافتراضية، أصبحت عملية التعلّم نفسها تترك وراءها أثرًا رقميًا يمكن تحليله: ماذا فتح الطالب؟ أين توقف؟ ما الذي أعاده؟ أين أخطأ؟ كم احتاج من الوقت؟ وما المهارة التي أتقنها؟ وهنا ظهر سؤال جديد: إذا استطعنا أن نفهم رحلة التعلّم نفسها، لا نتيجتها فقط، فهل يمكن أن يصبح التعليم أكثر قدرة على فهم اختلاف كل متعلم؟ أم أننا قد نقع في خطأ آخر ونحوّل الإنسان إلى مجموعة من الأرقام والمؤشرات؟ الاختبار يخبرنا غالبًا بما وصل إليه المتعلم، أما البيانات فقد تساعدنا على فهم كيف وصل إليه.

تحليلات التعلّم والبيانات التعليمية لفهم رحلة المتعلم وتخصيص التعليم باستخدام الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على الخصوصية والإنسانية – هشام خلف الله

عندما أصبح التعلّم يترك أثرًا خلفه
في الفصل التقليدي، يرى المعلم أشياء كثيرة.
يرى الطالب الذي يرفع يده.
والذي يبدو مرتبكًا.
والذي يجيب بسرعة.
والذي يحتاج إلى إعادة الشرح.
لكن هناك أشياء يصعب رؤيتها، خصوصًا عندما يكون عدد الطلاب كبيرًا.
قد يحصل طالبان على الدرجة نفسها، بينما تكون رحلة كل منهما مختلفة تمامًا.
أحدهما فهم منذ المرة الأولى.
والآخر شاهد الشرح ثلاث مرات.
أحدهما أخطأ في المفهوم الأساسي ثم صححه.
والآخر حفظ الإجابة دون أن يفهم سببها.
النتيجة النهائية قد تكون متشابهة.
لكن التعلّم الذي حدث قبلها ليس متشابهًا.
ومع البيئة الرقمية، بدأ جزء من هذه الرحلة يصبح قابلًا للرؤية.
من الدرجة… إلى مسار التعلّم
لسنوات طويلة اختصرنا أداء الطالب في رقم.
70%.
85%.
ممتاز.
جيد جدًا.
راسب.
لكن الرقم لا يخبرنا دائمًا بما يكفي.
قد يحصل طالب على 80% لأنه أتقن معظم المفاهيم لكنه يواجه صعوبة في مهارة واحدة مهمة.
وقد يحصل آخر على النسبة نفسها بينما يكون مستواه متوسطًا في كل شيء.
الرقمان متساويان.
لكن القرار التعليمي الذي يحتاجه كل منهما مختلف.
وهنا بدأ يظهر اهتمام أكبر بفكرة النظر إلى المهارات والإتقان Mastery، وليس فقط إلى الدرجة النهائية.
بدل أن نقول:
الطالب حصل على 75%.
يمكن أن نحاول أن نعرف:
أتقن المهارة الأولى.
ما زال يحتاج إلى دعم في الثانية.
يتقدم سريعًا في التطبيق.
ويتكرر الخطأ لديه في مفهوم معين.
الدرجة تخبرنا كم أجاب الطالب بصورة صحيحة، لكنها لا تخبرنا دائمًا ما الذي أصبح قادرًا على فعله بالفعل.

ماذا نعني بتحليلات التعلّم؟
مصطلح Learning Analytics — تحليلات التعلّم قد يبدو تقنيًا، لكن فكرته بسيطة.
نستخدم البيانات الناتجة أثناء التعلّم لكي نفهم بصورة أفضل ما يحدث للمتعلم، ثم نحاول استخدام هذا الفهم لتحسين التجربة التعليمية.
قد تشمل البيانات:
الوقت الذي قضاه الطالب في نشاط.
عدد المحاولات.
الأسئلة التي أخطأ فيها.
الدروس التي أعادها.
الأنشطة التي أكملها.
التقدم عبر المهارات.
وأحيانًا طريقة تفاعله داخل البيئة الرقمية نفسها.
الهدف هنا ليس جمع البيانات لمجرد أنها موجودة.
الهدف هو أن تتحول البيانات إلى قرار تعليمي أفضل.
البيانات لا تصبح تعليمًا عندما نجمعها، بل عندما تساعدنا على اتخاذ قرار يجعل التعلّم أفضل.

هل يمكن أن يعرف المعلم مبكرًا أن الطالب يحتاج إلى مساعدة؟
هذه واحدة من أهم إمكانات تحليلات التعلّم.
في النموذج التقليدي، قد نكتشف المشكلة بعد الاختبار.
لكن ماذا لو استطاع المعلم أن يراها أثناء حدوثها؟
قد تظهر أمامه لوحة توضح أن مجموعة من الطلاب توقفت عند جزء معين.
أو أن نسبة كبيرة أخطأت في السؤال نفسه.
أو أن طالبًا لم يكمل سلسلة من الأنشطة.
أو أن طالبًا آخر يتقدم بسرعة ويمكن أن يحتاج إلى تحدٍ أكبر.
بهذا المعنى، لا تكون البيانات بديلًا عن المعلم.
بل قد تصبح أداة توسع قدرته على الملاحظة.
البيانات لا يجب أن تستبدل عين المعلم؛ الأفضل أن تساعدها على رؤية ما كان يصعب رؤيته وسط عشرات الطلاب.

وهنا تتغير علاقة المعلم بالصف مرة أخرى.
لم يعد ينتظر النتيجة النهائية فقط.
يمكنه أن يتدخل أثناء الرحلة.
من تعليم واحد للجميع… إلى دعم مختلف لكل متعلم
إذا عرفنا أن طالبًا يحتاج إلى مراجعة مفهوم معين، فلماذا نطلب منه إعادة كل الدرس؟
وإذا عرفنا أن طالبًا آخر أتقن الفكرة بالفعل، فلماذا نمنعه من التقدم؟
هنا تبدأ البيانات في دعم ما تحدثنا عنه في المقال الخاص بالذكاء الاصطناعي:
التخصيص.
قد يحصل طالب على شرح إضافي.
وآخر على مثال مختلف.
وثالث على تدريب أكثر.
ورابع على تحدٍ متقدم.
الهدف واحد.
لكن الطريق يمكن أن يتغير.
كلما فهمنا المتعلم بصورة أفضل، أصبح من الممكن أن نعطيه ما يحتاج إليه بدل أن نعطي الجميع الشيء نفسه.

وهنا لا يصبح الاختلاف بين الطلاب مشكلة يجب التخلص منها.
بل معلومة يجب أن تساعدنا على تصميم تعلم أفضل.
وعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى البيانات
هنا يلتقي هذا المقال مباشرة بالمقال (17).
هناك فرق بين ذكاء اصطناعي يعرف فقط السؤال الذي أكتبه الآن، وذكاء اصطناعي يعمل داخل نظام تعليمي يعرف شيئًا عن تقدمي السابق.
إذا كان النظام يعرف أنني أخطئ باستمرار في مفهوم معين، فقد يقترح مراجعة قبله.
إذا عرف أنني أتقدم بسرعة، فقد يقدم نشاطًا أكثر تعقيدًا.
إذا لاحظ أنني أحفظ الإجابات لكنني أفشل عند التطبيق، فقد يغير نوع الأسئلة.
وهنا يصبح التخصيص أعمق.
الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر قدرة على التخصيص عندما لا يعرف فقط السؤال الذي يطرحه المتعلم الآن، بل يفهم شيئًا عن رحلة تعلّمه السابقة.

لكن هذه الإمكانية الكبيرة تحمل معها سؤالًا كبيرًا أيضًا:
كم نريد أن يعرف النظام عن المتعلم؟
من المنصة إلى البيئة الغامرة… البيانات تصبح أعمق
في المقال السابق تحدثنا عن الواقع الممتد والمحاكاة.
هناك فرق بين أن أعرف أن الطالب أنهى درسًا على منصة، وبين أن أعرف ماذا فعل داخل مختبر افتراضي.
داخل البيئة الغامرة يمكن أن تترك التجربة تفاصيل أكثر.
أي طريق اختاره؟
أي جهاز اقترب منه؟
ما القرار الذي اتخذه أولًا؟
أين أخطأ؟
كم مرة أعاد التجربة؟
متى طلب المساعدة؟
هل استطاع إكمال المهمة وحده؟
وهنا تصبح البيانات أقرب إلى السلوك داخل التجربة، لا مجرد تسجيل الدخول والخروج.
وهذا يفتح إمكانات كبيرة لتقييم التدريب العملي.
فبدل أن نعرف فقط هل وصل المتعلم إلى النتيجة الصحيحة، يمكن أن نحاول فهم الطريقة التي وصل بها إليها.
هل يمكن أن يتغير التقييم نفسه؟
هذه النقطة مهمة جدًا.
في النموذج التقليدي، كثير من التقييم يحدث في النهاية.
نعلّم.
ثم نختبر.
لكن إذا كانت البيئة ترى رحلة التعلّم باستمرار، قد يصبح التقييم نفسه أكثر استمرارًا.
ليس بالضرورة أن ينتظر النظام امتحانًا كبيرًا ليعرف أن المتعلم يواجه مشكلة.
قد تظهر المشكلة من عشر محاولات صغيرة أثناء التعلم.
وهنا يمكن أن ننتقل تدريجيًا من سؤال:
كم حصل الطالب في الامتحان؟
إلى سؤال أوسع:
ما الذي يستطيع الطالب أن يفعله الآن ولم يكن يستطيع فعله من قبل؟
أفضل تقييم للتعلّم ليس دائمًا اللحظة التي نطلب فيها من الطالب أن يثبت ما يعرفه، بل أحيانًا القدرة على رؤية كيف تتطور كفاءته أثناء التعلّم نفسه.

لكن هل كل ما يمكن قياسه مهم؟
وهنا تبدأ المشكلة.
البيئة الرقمية قادرة على قياس أشياء كثيرة.
عدد النقرات.
الوقت.
السرعة.
عدد المحاولات.
معدل الإكمال.
التفاعل.
الحضور.
لكن هل كل هذه الأرقام تعني أنني فهمت المتعلم؟
ليس بالضرورة.
قد يقضي طالب وقتًا طويلًا لأنه يفكر بعمق.
وقد يقضي طالب آخر الوقت نفسه لأنه مشتت.
قد يعيد أحدهم الفيديو لأنه لم يفهم.
وقد يعيده آخر لأنه أعجبه الشرح.
قد يتوقف طالب عن النشاط بسبب مشكلة في الإنترنت.
وقد يتوقف آخر لأنه فقد الدافعية.
البيانات ترى ما حدث.
لكنها لا تعرف دائمًا لماذا حدث.
البيانات تستطيع أن تخبرنا كثيرًا عن سلوك المتعلم، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تخبرنا لماذا تصرف بهذه الطريقة.

وهنا يعود الإنسان مرة أخرى.
المعلم يعرف السياق.
الأسرة تعرف ظروف الطفل.
والطالب نفسه يعرف ما يشعر به.
هل يمكن أن يتحول الطالب إلى ملف رقمي؟
هذا سؤال يقلقني.
كلما زادت قدرة الأنظمة على بناء صورة عن المتعلم، قد نبدأ في إطلاق أحكام مبكرة عليه.
هذا طالب ضعيف في الرياضيات.
هذا بطيء.
هذا غير متفاعل.
هذا متفوق.
لكن الإنسان يتغير.
والطفل يتغير أكثر.
البيانات التي تصف أداء الطالب اليوم لا يجب أن تتحول إلى حكم نهائي على قدرته غدًا.
البيانات يجب أن تساعدنا على فتح فرص أمام المتعلم، لا أن تتحول إلى صندوق رقمي نضعه داخله.

هناك فرق كبير بين أن أقول:
هذا الطالب يحتاج إلى دعم الآن.
وأن أقول:
هذا الطالب ضعيف.
الأولى تصف احتياجًا.
الثانية قد تتحول إلى هوية.
وهنا تصبح اللغة التي نستخدمها مع البيانات جزءًا من أخلاقيات التعليم.
هل الخوارزمية عادلة؟
إذا اعتمد النظام على البيانات لكي يقترح مستوى أو مسارًا أو نشاطًا، فهناك سؤال آخر:
هل القرار عادل؟
ماذا إذا كانت البيانات ناقصة؟
ماذا إذا كان الطالب يستخدم اتصالًا ضعيفًا؟
ماذا إذا لم تكن اللغة الأساسية للمنصة لغته الأولى؟
ماذا إذا كان نوع النشاط نفسه لا يناسب طريقة تعلمه؟
الخوارزمية قد ترى أداءً منخفضًا.
لكن السبب الحقيقي قد يكون خارج التعلم نفسه.
ولهذا يجب ألا نسمح للقرار الآلي أن يصبح حكمًا نهائيًا لا يمكن مراجعته.
كلما زادت قدرة النظام على اتخاذ القرار، ازدادت أهمية أن يعرف الإنسان لماذا اتخذ هذا القرار وأن يستطيع مراجعته.

وهذا مهم للمعلم.
وللطالب.
وللأسرة.
من يملك بيانات المتعلم؟
ربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة في مستقبل التعليم.
إذا كانت المنصة تعرف:
مستوى الطالب.
أخطاءه.
نقاط ضعفه.
سجل تعلمه.
سلوكه داخل البيئة.
وأحيانًا أكثر من ذلك…
فمن يملك هذه البيانات؟
المدرسة؟
المنصة؟
شركة التكنولوجيا؟
الطالب؟
الأسرة؟
ومن يستطيع الوصول إليها؟
وإلى متى تحتفظ بها المنظومة؟
وهل يمكن حذفها؟
وهل يمكن استخدامها لغرض آخر غير التعليم؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط.
إنها أسئلة تربوية وأخلاقية.
السؤال الأخلاقي ليس فقط: ما البيانات التي نستطيع جمعها؟ بل: ما البيانات التي نحتاج فعلًا إلى جمعها لكي نحسن التعلّم؟

ليس كل ما نستطيع قياسه يجب أن نقيسه.
وليس كل ما يمكن تخزينه يجب أن نخزنه.
وهل بيانات الطفل مثل بيانات الموظف؟
بالنسبة لي، يجب أن يكون الحذر أكبر عندما نتحدث عن الأطفال.
فالطالب الصغير قد لا يفهم بالكامل معنى الموافقة على جمع البيانات.
وقد لا يعرف أين ستذهب.
ولا كيف ستستخدم لاحقًا.
ولهذا فإن تصميم تقنيات التعليم لا يجب أن يبدأ فقط من السؤال:
ماذا نستطيع أن نعرف؟
بل أيضًا:
ما الذي يحق لنا أن نعرفه أصلًا؟
وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المدرسة، والمطور، وصانع القرار، والأسرة.
هل يمكن أن تصبح البيانات ذاكرة للتعلّم مدى الحياة؟
في المقال السابق تحدثنا عن Web3 والهوية الرقمية وVerifiable Credentials.
وهنا تظهر فكرة أخرى.
ماذا لو لم يكن سجل التعلّم مجرد شهادات نهائية؟
ماذا لو أصبح لدى الإنسان سجل يوضح المهارات التي أتقنها عبر مراحل مختلفة من حياته؟
تعلم في المدرسة.
ثم الجامعة.
ثم منصة تدريب.
ثم شركة.
ثم برنامج مهني.
ثم تجربة محاكاة.
ثم تعلم ذاتيًا.
قد يصبح هذا السجل أكثر ثراءً من شهادة واحدة حصل عليها الإنسان في سن الثانية والعشرين.
وهنا نعود إلى ما قلناه في المقال (14):
المتعلم لم يعد مرحلة عمرية.
قد يصبح التعلم رحلة تمتد طوال الحياة، ومعها تتكون صورة متغيرة للمهارات والخبرات التي يكتسبها الإنسان.
لكن هذا يضيف سؤالًا آخر:
من يتحكم في هذه الذاكرة؟
البيانات لا يجب أن تقود التعليم وحدها
هناك إغراء كبير في الأرقام.
الأرقام تبدو دقيقة.
وتبدو محايدة.
وتعطي شعورًا باليقين.
لكن التعليم أكثر تعقيدًا من Dashboard.
يمكن للنظام أن يقول إن الطالب لم يكمل النشاط.
لكن المعلم قد يعرف أنه يمر بظروف أسرية.
يمكن للنظام أن يقول إن الطالب بطيء.
لكن المعلم قد يكتشف أنه يفكر بعمق.
يمكن للنظام أن يقول إن طالبًا متفوق.
لكن المعلم قد يعرف أنه لا يتعاون مع الآخرين ويحتاج إلى مهارة مختلفة تمامًا.
البيانات تستطيع أن توسع فهمنا للمتعلم، لكنها لا تستطيع أن تختصر الإنسان كله في شاشة.

وهذا بالنسبة لي هو التوازن الذي يجب أن نحافظ عليه.
ربما يصبح المعلم أقل اعتمادًا على الانطباع وحده
وفي الوقت نفسه، لا يجب أن نخاف من البيانات لمجرد أنها بيانات.
المعلم أيضًا قد يخطئ.
وقد يبني انطباعًا غير دقيق.
وقد لا يلاحظ طالبًا هادئًا وسط فصل كبير.
وقد يعتقد أن الجميع فهم لأن أحدًا لم يسأل.
البيانات يمكن أن تكون مرآة إضافية.
ليست الحقيقة الكاملة.
لكنها زاوية أخرى.
المعلم يحتاج إلى البيانات، والبيانات تحتاج إلى المعلم؛ الأولى تكشف الأنماط، والثاني يمنحها المعنى والسياق.

وهنا أرى مستقبل العلاقة أكثر وضوحًا.
ليست:
الإنسان أو الخوارزمية.
بل:
الإنسان مع الخوارزمية.
ماذا يحدث عندما نعرف كل متعلم بصورة أفضل؟
إذا استطعنا أن نستخدم البيانات بصورة مسؤولة، فقد نقترب من حلم قديم جدًا في التعليم.
أن يعرف المعلم متى يحتاج الطالب إلى مساعدة.
أن يحصل كل طالب على تحدٍ يناسبه.
أن نكتشف المشكلة قبل أن تتحول إلى فشل.
أن نرى التقدم الحقيقي بدل أن نرى الامتحان فقط.
أن نعطي المتعلم Feedback في الوقت المناسب.
وأن يصبح التعلم أكثر مرونة.
لكن كل هذه الفوائد لن تأتي من جمع أكبر كمية من البيانات.
بل من جمع البيانات المناسبة، وفهمها بطريقة صحيحة، واستخدامها بقرار بشري مسؤول.
التعليم الذكي لا يعني أن نعرف كل شيء عن المتعلم؛ بل أن نعرف ما يكفي لمساعدته دون أن نفقد احترام خصوصيته وإنسانيته.

من «التعليم للجميع»… إلى «فهم كل متعلم»
في بدايات التعليم النظامي كان الإنجاز الأكبر أن نوفر التعليم لأعداد كبيرة.
ثم أصبح السؤال:
كيف نحسن الجودة؟
ثم:
كيف نجعل التعليم متاحًا في أي مكان؟
ثم:
كيف نجعله أكثر تخصيصًا؟
واليوم تظهر مرحلة أخرى:
كيف نفهم المتعلم نفسه بصورة أفضل؟
ليس لكي نراقبه أكثر.
بل لكي ندعمه بصورة أدق.
وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين نظام يقول:
«هذا هو الدرس للجميع.»
ونظام يقول:
«الهدف واحد، لكن هذا هو الدعم الذي تحتاجه أنت الآن.»
لكن الإنسان أكبر من بياناته
بعد كل ما تحدثنا عنه، أعود إلى نقطة أعتبرها أساسية.
يمكن أن تعرف المنظومة آلاف الأشياء عن الطالب.
لكنها قد لا تعرف حلمه.
قد تعرف أنه توقف عند السؤال السابع.
لكنها لا تعرف لماذا يخاف من الفشل.
قد تعرف أنه لم يكمل النشاط.
لكنها لا تعرف أن كلمة واحدة من معلم شجعته جعلته يعود إليه في اليوم التالي.
قد تعرف سرعة الإجابة.
لكنها لا تعرف معنى الإنجاز بالنسبة له.
وهذا يذكرنا بشيء ربما أصبح أكثر أهمية كلما تطورت التكنولوجيا:
كلما عرف النظام أشياء أكثر عن المتعلم، ازدادت مسؤوليتنا في ألا ننسى أن وراء البيانات إنسانًا لا يمكن اختزاله في البيانات.

وربما نقترب الآن من نهاية الرحلة
بدأنا هذه السلسلة بإنسان يتعلم من إنسان آخر.
من الملاحظة.
ومن الحكاية.
ثم ظهرت الكتابة.
والكتاب.
والمدرسة.
والمنهج.
والصوت والصورة.
والحاسوب.
والإنترنت.
والتعلم عن بُعد.
والمنصات العالمية.
والشبكات الاجتماعية.
والهاتف الذكي.
والذكاء الاصطناعي.
والواقع الممتد.
والآن أصبحت المنظومة قادرة على رؤية جزء من رحلة المتعلم نفسها من خلال البيانات.
لكن مع كل هذه الأدوات، يبقى سؤال أكبر.
إذا أصبحت الآلة تعرف أكثر…
وتشرح أكثر…
وتقيس أكثر…
وتتنبأ أكثر…
فما الذي يبقى للإنسان؟
ربما هنا نصل إلى السؤال الأخير في هذه السلسلة:
الإنسان يتعلّم (20): من الحكاية إلى الذكاء الاصطناعي… ماذا سيبقى للإنسان؟
لأن السؤال في نهاية الرحلة لم يعد فقط:
كيف ستتطور أدوات التعلّم؟
بل أصبح:
أي إنسان نريد أن تصنعه كل هذه الأدوات؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (19): عندما بدأت المنظومة ترى المتعلّم من خلال البيانات… هل يمكن أن يفهم التعليم كل إنسان بصورة أفضل؟. Hesham Khalafallah.