AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (8): من يقرر ماذا نتعلّم؟… عندما أصبحت للتعليم رؤية وسياسة وخطة

بعد أن أصبحت المدرسة منظومة تضم المتعلم والأسرة والمعلم والمنهج والتقييم، ظهر سؤال أكبر: من يحدد اتجاه هذه المنظومة؟ رحلة في فلسفة التعليم وسياساته، واختلاف المسارات ومخرجات التعليم بين الدول، ولماذا لا يكون التغيير إصلاحًا بالضرورة، وكيف يمكن بناء نظام يحافظ على رؤيته ويستمر في التطور.

رؤية وسياسات التعليم وتخطيط المستقبل ومسارات التعلّم المختلفة حول المتعلم – هشام خلف الله

في المقال السابق حاولنا أن نفهم كيف تشكّلت منظومة التعليم التي نعرفها اليوم. وضعنا المتعلم في المركز، ثم رأينا الأسرة والبيئة من حوله، والمعلم الذي يوجهه، والمعرفة التي يريد أن يكتسبها، ثم المدرسة والمنهج وطريقة التدريس والتقييم والشهادة.

لكن عندما نضع كل هذه العناصر أمامنا، يظهر سؤال أكبر: من قرر أصلًا أن تعمل المنظومة بهذه الطريقة؟

فالمعلم يدخل الفصل ويقود عملية التعليم، لكنه في أغلب الأنظمة لا يقرر وحده ماذا سيدرس الطالب طوال سنوات تعليمه. والمدرسة تنفذ العملية التعليمية، لكنها لا تحدد بمفردها عدد سنوات الدراسة، ولا المراحل، ولا شكل الامتحانات أو الشهادات.

حتى المنهج الذي نراه أمام الطالب ليس نقطة البداية. هناك شيء يسبقه.

رؤية تحدد إلى أين نريد أن نصل، وسياسة تحدد الاتجاه، وتخطيط يحاول تحويل هذه الرؤية إلى نظام يستطيع أن يعمل على أرض الواقع.

ومن هنا يظهر عنصر جديد في منظومة التعليم التي نبنيها مع هذه السلسلة: الرؤية والسياسة والتخطيط التعليمي.

قبل أن نسأل ماذا نعلّم… لماذا نعلّم أصلًا؟

تخيل طفلًا يدخل المدرسة اليوم. قد يقضي اثني عشر عامًا أو أكثر داخل منظومة التعليم. وسيتخرج منها في عالم مختلف كثيرًا عن العالم الذي دخل فيه المدرسة.

قبل أن نسأل: ماذا سيدرس في الرياضيات؟ وكم درسًا في العلوم؟ وأي كتاب سيقرأ؟ ربما يجب أن نسأل سؤالًا أسبق:

ماذا نريد أن يصبح عليه هذا الإنسان بعد كل هذه السنوات؟

هل نريده فقط أن يعرف القراءة والكتابة والحساب؟ أم نريده قادرًا على التفكير والتحليل وحل المشكلات؟ هل نعدّه للجامعة فقط، أم للحياة والعمل أيضًا؟

هل نريد منه حفظ المعرفة أم استخدامها؟ هل نريد أن يكتشف مواهبه؟ وأن يتعلم كيف يتعلم؟ وأن يستطيع التكيف مع عالم يتغير؟

هذه الأسئلة هي التي يجب أن تسبق المنهج.

فالمنهج ليس مجرد مجموعة دروس وكتب. اليونسكو تنظر إليه باعتباره عنصرًا مركزيًا في التعليم لأنه يؤثر فيما يعرفه المتعلم، وكيف يفكر، وما المعارف والمهارات والقيم التي تسعى المنظومة إلى بنائها. (unesco.org)

ولهذا أحب أن أختصر الفكرة بهذه الصورة:

المنهج هو ما يراه الطالب، أما الرؤية التعليمية فهي ما لا يراه، لكنها تحدد قدرًا كبيرًا مما يراه.

الرؤية تحدد الهدف. والسياسة تحدد الاتجاه والقواعد. والتخطيط يحاول أن يحول ذلك كله إلى مدارس ومعلمين ومناهج ومراحل وتقييم وتمويل وتنفيذ.

لكن نجاح التعليم لا يتوقف على جمال الرؤية المكتوبة. السؤال الحقيقي هو: هل وصلت هذه الرؤية إلى الطفل داخل الفصل؟

من يقرر ماذا يتعلّم الطفل؟

في النماذج القديمة البسيطة كان المعلم أو صاحب الخبرة يستطيع أن يحدد بدرجة كبيرة ما الذي سيعلمه لمن أمامه.

أما عندما أصبح التعليم منظومة تخدم ملايين البشر، لم يعد القرار في يد شخص واحد.

أصبح هناك من يضع الأهداف العامة، ومن يصمم المناهج، ومن يحدد المعايير، ومن ينظم مراحل الدراسة، ومن يبني أدوات التقييم، ثم تأتي المدرسة والمعلم لتحويل كل ذلك إلى تجربة يومية يعيشها الطالب.

ومن هنا نفهم أيضًا لماذا يمكن أن تدرس دولتان الرياضيات نفسها، لكن يعيش الطالب فيهما تجربتين تعليميتين مختلفتين تمامًا.

المعادلات نفسها قد تكون واحدة. لكن طريقة تقديمها ليست واحدة.

قد يعتمد نظام على الشرح المباشر، وآخر على التطبيق والمشروعات وحل المشكلات. وقد يعطي نظام وزنًا كبيرًا لامتحان نهائي، بينما يستخدم نظام آخر أكثر من أداة للتقييم.

إذن القضية ليست فقط: ماذا نعلّم؟

بل أيضًا: كيف نعلّم؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف نعرف أن التعلم حدث؟

وهنا يتضح أن المعلم، رغم أهميته الكبيرة، يعمل داخل منظومة أوسع. يمكنه أن يبدع، ويوجه، ويغير تجربة الطالب، لكنه لا يستطيع وحده تغيير عدد سنوات المرحلة، أو إلغاء منهج قومي، أو إنشاء مسار تعليمي جديد.

المعلم يقود التعلّم، لكنه لا يقود النظام كله.

لماذا لم يعد هناك طريق تعليمي واحد؟

ومع تطور المجتمعات، ظهر تحدٍ آخر. إذا كان الناس مختلفين في قدراتهم وميولهم، وإذا كان المجتمع نفسه يحتاج إلى أنواع مختلفة من المعرفة والمهارات، فهل من المنطقي أن يسير الجميع في طريق واحد؟

من هنا ظهرت تدريجيًا مسارات متعددة: التعليم الأساسي، والعام، والأكاديمي، والفني، والمهني، ثم التعليم العالي والتخصصات المختلفة.

وهذا في الأصل مفهوم منطقي.

المجتمع لا يحتاج إلى الأطباء والمهندسين فقط، بل يحتاج كذلك إلى الفنيين والتقنيين والحرفيين والمبرمجين ومئات المهن والمهارات الأخرى.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اختلاف المسار إلى اختلاف في قيمة الإنسان.

فيصبح التعليم الأكاديمي في نظر المجتمع أعلى مكانة لمجرد أنه أكاديمي، بينما ينظر إلى التعليم الفني أو المهني على أنه طريق من لم يستطع الوصول إلى غيره، حتى عندما يمتلك المتعلم موهبة حقيقية فيه أو يكون الاقتصاد في حاجة إلى تلك المهارات.

وهنا تعود إلينا فكرة ناقشناها من قبل:

ليس كل اختلاف في المسار اختلافًا في القيمة.

فنجاح النظام لا يعني أن يدفع الجميع إلى الطريق نفسه، بل أن يساعد كل إنسان على الوصول إلى مسار يستطيع فيه بناء معرفة وكفاءة وحياة حقيقية.

إذا كان التعليم منتشرًا… فلماذا تختلف مخرجاته؟

وهنا نصل إلى السؤال الذي أراه من أهم أسئلة التعليم كله.

المدارس اليوم موجودة في معظم دول العالم. والجامعات منتشرة. وملايين البشر يقضون سنوات طويلة داخل المؤسسات التعليمية.

لكن هل مجرد وجود المدرسة يعني أن التعلّم حدث؟

البنك الدولي لخص المشكلة في عبارة واضحة: الالتحاق بالمدرسة ليس هو نفسه التعلّم. فقد توسع الوصول إلى التعليم بدرجة كبيرة عالميًا، بينما ما زالت نتائج التعلم متفاوتة، وقد يقضي بعض الطلاب سنوات في المدرسة دون اكتساب المستوى المتوقع من المهارات الأساسية. (worldbank.org)

وهنا يصبح السؤال مختلفًا.

إذا كان لدى دولتين مدارس، ومعلمون، وكتب، ومناهج، واختبارات، فلماذا يمكن أن تكون مخرجات التعليم مختلفة؟

الإجابة ليست في عامل واحد.

قد يكون إعداد المعلم أفضل في مكان. أو المنهج أكثر ارتباطًا بما يحتاجه المتعلم. أو التقييم يقيس الفهم بدلًا من الحفظ.

أو الإدارة أكثر قدرة على اكتشاف المشكلات ومعالجتها. أو البيئة الأسرية أكثر دعمًا. أو توجد علاقة أقوى بين المدرسة والجامعة وسوق العمل. أو يستطيع النظام أن يحول المعلومات إلى مهارات يستخدمها الإنسان في الحياة.

إذن وجود عناصر المنظومة لا يكفي. المهم أن تعمل هذه العناصر معًا في اتجاه واحد.

ولهذا يصبح الفرق الحقيقي بين نظام وآخر ليس فقط عدد المدارس أو السنوات الدراسية أو عدد الشهادات، بل:

ماذا أصبح الإنسان يعرف، وكيف يفكر، وماذا أصبح قادرًا على أن يفعل بعد كل هذه السنوات؟

وهل التعليم هو سبب تقدم الدول؟

عندما ننظر إلى الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، من السهل أن نقول إن التعليم هو السبب.

وأعتقد أن الصورة أدق من ذلك.

التعليم ليس العامل الوحيد في تقدم الدول؛ فهناك الاقتصاد والمؤسسات والصحة والبنية التحتية والاستثمار والبحث العلمي وعوامل كثيرة أخرى.

لكن التعليم يظل أحد أهم الأسس التي تبني الإنسان الذي يدير كل هذه القطاعات.

فالطبيب والمهندس والمعلم والباحث والفني ورائد الأعمال والقائد الإداري كلهم في النهاية مخرجات لرحلات تعلم وتدريب مختلفة.

ولهذا تربط المؤسسات الدولية بين المعرفة والمهارات وبين الإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي. ويعرّف البنك الدولي رأس المال البشري بأنه ما يراكمه الإنسان من معرفة ومهارات وصحة بما يمكنه من تحقيق إمكاناته والمشاركة المنتجة في المجتمع، بينما تشير OECD إلى أن ضعف تطوير المهارات أو سوء استخدامها يبدد المواهب ويحد من فرص النمو والابتكار. (humancapital.worldbank.org)

وهنا أرى أن السؤال ليس: هل لدى الدولة تعليم؟

بل: ماذا يفعل هذا التعليم بالإنسان؟

هل يجعله قادرًا على التفكير؟ هل يستطيع إنتاج معرفة جديدة؟ هل يحل المشكلات؟ هل يتعلم بعد أن يترك المدرسة؟ هل تتحول المعرفة التي تلقاها إلى قدرة على الإنتاج والابتكار؟

فالدولة لا تتقدم بمجرد أن يقضي أبناؤها سنوات أكثر في المدرسة.

التحدي هو أن تتحول هذه السنوات إلى رأس مال إنساني حقيقي.

لكن هل الحل هو تغيير نظام التعليم باستمرار؟

وهنا تظهر مشكلة أخرى.

إذا اكتشفنا أن النظام لا يحقق النتائج التي نريدها، فالاستجابة الطبيعية هي أن نقول: يجب أن نغيره.

لكن كم مرة يجب أن يتغير؟ وما الذي يجب أن يتغير أصلًا؟

هذا السؤال أراه واضحًا جدًا في تجربة التعليم المصري خلال السنوات الأخيرة.

فقد شهدت المرحلة الثانوية محاولات متتابعة لتغيير أساليب التقييم وإدخال الاختبارات الإلكترونية والموارد الرقمية والتابلت، مع توجه معلن نحو قياس الفهم بدل الحفظ.

ثم أعيدت هيكلة بعض مواد المرحلة الثانوية؛ ففي 2024 أعلنت وزارة التربية والتعليم إعادة تصميم محتوى الصف الأول الثانوي وتقليل المواد التي تدخل في المجموع من عشرة إلى ستة، ثم صدرت تعديلات أخرى على نظام الدراسة والتقييم للعام 2025/2026. (moe.gov.eg)

هذه التطورات تجعلني لا أسأل فقط: هل التغيير جيد أم سيئ؟

بل أسأل سؤالًا أعمق:

متى يتحول التغيير إلى إصلاح؟

فإدخال التابلت تغيير. وتغيير عدد المواد تغيير. وتغيير شكل الامتحان تغيير. وإضافة منصة رقمية تغيير.

لكن كل ذلك لا يصبح إصلاحًا لمجرد أنه جديد.

الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مشكلة واضحة نحاول حلها، ورؤية نعرف إلى أين نريد أن نصل بها، ومعلم مستعد، وبنية قادرة على التنفيذ، ثم قياس يخبرنا هل تحسن التعلّم فعلًا أم لا.

ولهذا أرى أن علينا أن نفرق بين كثرة التغيير وجودة التطوير.

التعليم لا يتطور بعدد الأشياء التي نغيّرها، بل بقدرتنا على معرفة لماذا نغيّرها، ثم قياس أثر هذا التغيير في المتعلم.

الاستقرار أم التجديد؟

أحيانًا ننظر إلى أنظمة تعليمية قديمة مثل النظام الإنجليزي ونعتقد أن قوتها جاءت لأنها بقيت ثابتة عشرات السنين.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة.

النظام الإنجليزي نفسه شهد إصلاحات كبيرة في GCSE وA-level، شملت محتوى المواد، وطريقة التقييم، وهيكل المؤهلات، وأسلوب الامتحانات. (gov.uk)

إذن القضية ليست أن نظامًا يتغير ونظامًا آخر لا يتغير.

السؤال الحقيقي هو: كيف يحدث التغيير؟

هل تتغير الأدوات داخل رؤية واضحة يمكن أن تستمر سنوات طويلة؟ أم تتغير قواعد اللعبة نفسها بسرعة تجعل الطالب والأسرة والمعلم يقضون جزءًا من طاقتهم في محاولة فهم النظام الجديد؟

النظام الذي يرفض التغيير قد يصبح بعيدًا عن العالم.

لكن النظام الذي يتغير باستمرار دون وقت كافٍ للتطبيق والقياس قد يفقد الاستقرار الضروري لنجاح التعليم.

ولهذا أرى أن المعادلة الأفضل ليست الاختيار بين الثبات والتغيير.

بل:

التعليم يحتاج إلى رؤية مستقرة… ونظام قادر على التطور.

تستقر الرؤية في الأسئلة الكبرى: ما الإنسان الذي نريد أن نساعد في بنائه؟ وما المعرفة والمهارات والقيم التي يحتاج إليها؟

ثم تتطور المناهج والأدوات وطرق التدريس والتقييم كلما تغير العالم أو ظهرت أدلة على أن وسيلة ما لم تعد تحقق الهدف.

عندما تنفصل الرؤية عن الواقع

ربما تستطيع أي دولة أن تكتب رؤية تعليمية ممتازة: الإبداع، التفكير النقدي، الابتكار، المهارات الرقمية، الاستعداد لسوق العمل.

لكن ماذا يحدث إذا كانت الرؤية تقول «الإبداع»، بينما يكافئ الامتحان الحفظ؟

ماذا يحدث إذا طلبنا من المعلم تعليم التفكير، لكننا لا نوفر له الوقت أو التدريب أو المرونة؟ ماذا يحدث إذا اشترينا الأجهزة، بينما ظلت طريقة التدريس نفسها؟

أو إذا أنشأنا مسارات فنية جيدة، بينما استمر المجتمع في النظر إليها باعتبارها أقل قيمة؟

هنا تظهر المشكلة الحقيقية:

الفجوة بين ما تقوله المنظومة وما يعيشه المتعلم.

وقد تكون هذه واحدة من أهم أسباب اختلاف مخرجات التعليم.

فالرؤية لا تصبح حقيقة لأنها كتبت في وثيقة.

تصبح حقيقة عندما يستطيع الطالب أن يشعر بها في الفصل، ويستطيع المعلم أن يمارسها، ويقيسها التقييم، ويدعمها المجتمع.

وعندها فقط تتحول عناصر التعليم من أجزاء موجودة بجوار بعضها إلى منظومة تعمل معًا.

أي إنسان نريد أن يخرج من المدرسة؟

وهنا أعود مرة أخرى إلى الطفل الذي دخل المدرسة في بداية المقال.

دخل في السادسة تقريبًا، وسيخرج بعد سنوات طويلة إلى عالم جديد.

ربما تتغير خلال هذه الفترة وظائف كاملة. وقد تظهر تخصصات لم تكن موجودة. وقد تختفي بعض المهارات أو تصبح أقل أهمية.

وقد تصبح المعرفة التي تعلمها في بدايات دراسته قديمة قبل أن ينهي تعليمه.

فكيف نخطط لتعليمه؟

لا أعتقد أن الحل يمكن أن يكون أن نحاول فقط وضع أكبر كمية ممكنة من المعلومات في المنهج.

ربما يكون الأهم أن نساعده على امتلاك أدوات تجعله قادرًا على الاستمرار في التعلم بعد أن تتغير المعلومات نفسها.

أن يعرف كيف يبحث. وكيف يفكر. وكيف يشك بطريقة علمية. وكيف يتعلم مهارة جديدة. وكيف يعمل مع الآخرين. وكيف يستخدم الأدوات الجديدة بدل أن يصبح تابعًا لها.

وهنا يظهر المعنى الأعمق للرؤية التعليمية.

التعليم لا يبدأ بالسؤال: ماذا نضع في الكتاب؟ بل يبدأ بالسؤال: أي إنسان نريد أن يكون قادرًا على مواجهة المستقبل عندما يغلق هذا الكتاب؟

ومن هنا نستطيع أن نفهم شيئًا مهمًا جدًا في رحلتنا.

لقد بنينا حتى الآن منظومة فيها المتعلم والأسرة والمعلم والمعرفة والمدرسة والمنهج وطريقة التدريس والتقييم، ثم أضفنا الرؤية والسياسة والتخطيط التي تحاول أن تجعل كل هذه العناصر تتحرك في اتجاه واحد.

والآن فقط نستطيع أن نبدأ الحديث عن التكنولوجيا.

ليس باعتبارها هدفًا، ولا باعتبار أن مجرد دخول جهاز جديد إلى الفصل يعني أننا طورنا التعليم، بل باعتبارها أداة جديدة تدخل منظومة موجودة بالفعل.

والسؤال الذي سيصاحبنا من الآن فصاعدًا لن يكون: ما أحدث تقنية يمكن أن نضعها في المدرسة؟

بل:

ما المشكلة التعليمية التي نريد أن نحلها، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا داخل منظومة هدفها الأول أن يتعلّم الإنسان؟

لأن الأداة مهما كانت متطورة لا تستطيع أن تعوّض غياب الرؤية.

ومن هنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:

ماذا حدث عندما دخل الصوت والصورة إلى الفصل، وأصبحت المعرفة لا تُقرأ وتُشرح فقط… بل تُرى وتُسمع أيضًا؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (8): من يقرر ماذا نتعلّم؟… عندما أصبحت للتعليم رؤية وسياسة وخطة. Hesham Khalafallah.