AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (15): عندما أصبح الجميع ناشرين… كيف غيّرت الشبكات الاجتماعية طريقة تعلّمنا؟

بعد أن أصبح الإنسان قادرًا على اختيار منصة أو جامعة أو شركة ليتعلّم منها، حدث تحول أكثر غرابة: لم يعد التعلّم يبدأ دائمًا بقرار أن نتعلّم. المنتديات والمدونات والفيديو والشبكات الاجتماعية جعلت ملايين البشر يشرحون وينشرون تجاربهم، وأصبح المحتوى يصل إلى المتعلم حتى عندما لا يبحث عنه. وهكذا عاد التعلّم مرة أخرى إلى المجتمع، لكن هذه المرة داخل مجتمع عالمي تحكم جزءًا مما نراه فيه الخوارزميات والانتباه، لتصبح مهمة المعلم والأسرة أكثر ارتباطًا بالتوجيه والتحقق وبناء المعنى.

التعلّم عبر الشبكات الاجتماعية وصناع المحتوى والخوارزميات مع دور المعلم في توجيه المتعلم والتحقق من المعرفة – هشام خلف الله

من التعلّم الذي نختاره… إلى التعلّم الذي يجدنا

في المقال السابق تحدثنا عن تحول مهم. أصبح بإمكان الإنسان أن يدخل إلى منصة تعليمية لأنه قرر أن يتعلم. يختار تخصصًا، ويسجل في دورة، ويسير في مسار، ويحصل ربما على شهادة في النهاية.

كان ذلك تعلّمًا مقصودًا.

أنا أعرف لماذا دخلت إلى المنصة، وما الذي أريد أن أتعلمه، ومن الجهة التي تقدم البرنامج. لكن الإنترنت كان يتغير في اتجاه آخر بالتوازي مع ذلك.

لم يعد المستخدم يدخل فقط لكي يقرأ ما نشره الآخرون. بدأ هو نفسه يكتب، ويعلق، ويناقش، ويصور، ويشرح، ويراجع، وينشر تجربته.

ظهرت المنتديات. ثم المدونات. ثم الفيديو الذي يصنعه المستخدم. ثم الشبكات الاجتماعية.

وفجأة لم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يدخل منصة تعليمية لكي يتعلم شيئًا. قد يفتح الإنترنت للترفيه، فيشاهد شخصًا يشرح فكرة. وقد يقرأ تجربة مهنية. أو يرى فيديو قصيرًا يشرح مفهومًا علميًا. أو يجد نقاشًا بين أشخاص متخصصين.

وقد يتعلم شيئًا لم يكن قد قرر أصلًا أنه يريد أن يتعلمه.

وهنا حدث تحول جديد:

لم نعد نذهب دائمًا إلى المعرفة؛ بدأت المعرفة والمعلومات والتجارب تصل إلينا ونحن نعيش حياتنا الرقمية اليومية.

عندما تحوّل الإنترنت من صفحات نقرأها إلى مجتمع نشارك فيه

في المراحل الأولى من الإنترنت، كان المستخدم في الغالب يدخل إلى موقع أعده شخص أو مؤسسة. يقرأ. يبحث. يحمل ملفًا. ثم يغادر.

لكن شيئًا مهمًا تغير عندما أصبح من السهل على المستخدم نفسه أن يشارك. يسأل في منتدى. ويجيب شخص آخر. يكتب تدوينة. ويرد الناس عليها. ينشر فيديو. ويضيف آخر تجربة مختلفة.

وهنا لم يعد الإنترنت مجرد مكتبة رقمية هائلة. أصبح أيضًا مجتمعًا ينتج المعرفة والمحتوى باستمرار.

والفارق جوهري. فالمكتبة تخزن ما تم إنتاجه. أما المجتمع الرقمي فينتج أمامك محتوى جديدًا طوال الوقت.

لم يعد الإنترنت مكانًا نحصل منه على المعرفة فقط؛ أصبح مكانًا نشارك نحن أيضًا في إنتاج ما يراه الآخرون معرفة.

وهذا منح الإنسان العادي قدرة لم تكن متاحة بهذه السهولة من قبل. أن يتحدث إلى جمهور قد يكون في مدينة أخرى أو دولة أخرى أو في نصف العالم الآخر.

عندما لم يعد كل من يعلّم يحمل لقب «معلم»

وهنا تغير شيء آخر.

من هو المعلم؟

في النموذج التقليدي، الإجابة واضحة نسبيًا. شخص مؤهل، يعمل داخل مدرسة أو جامعة أو مؤسسة، وله دور رسمي في عملية التعليم.

لكن الإنترنت بدأ يفصل بين فعل التعليم والصفة الرسمية للمعلم.

قد أتعلم البرمجة من مطور يشارك ما اكتسبه من خبرة. وأتعلم التصوير من مصور محترف. وأتعلم مهارة مهنية من شخص يمارسها كل يوم. وأتعلم لغة من شخص يصنع محتوى متخصصًا.

وقد يتابع هذا الشخص مئات الآلاف أو الملايين دون أن يكون موظفًا في مدرسة واحدة.

أصبح من الممكن أن يؤثر إنسان في تعلّم ملايين الأشخاص دون أن يدخل فصلًا واحدًا بوصفه معلمًا.

وهذا فتح فرصًا هائلة. فالخبرة التي كانت محصورة في شخص أو مكان أصبحت قابلة للمشاركة.

لكن في الوقت نفسه، اختفت بعض الحواجز التي كانت تفصل بين المتخصص وغير المتخصص. أي شخص يستطيع أن يفتح الكاميرا. لكن ليس كل من يستطيع أن يشرح أمام الكاميرا يمتلك المعرفة التي يشرحها.

وهنا بدأت مشكلة جديدة.

هل عدنا إلى ما قبل المدرسة… ولكن بصورة رقمية؟

عندما أفكر في هذا التحول، تعود بي الذاكرة إلى بداية الرحلة التي تحدثنا عنها في المقالات الأولى من هذه السلسلة.

قبل أن تظهر المدرسة بالشكل الذي نعرفه، لم يكن الإنسان يعتمد على مؤسسة واحدة لكي يتعلم. كان يتعلم من أسرته. ومن كبار السن. ومن الحرفي. ومن المجتمع. ومن الملاحظة. ومن الحكايات. ومن التجربة.

كانت مصادر التعلم موزعة حول الإنسان.

ثم تطورت المدرسة، وبدأ جزء كبير من عملية التعليم ينتقل إلى مؤسسة منظمة تجمع المتعلم والمعلم والمنهج والمكان والتقييم.

وبعد قرون، تبدو الصورة وكأنها تتحرك في اتجاه آخر مرة أخرى. فالطالب اليوم يذهب إلى المدرسة، لكنه قد يتعلم في اليوم نفسه من معلمه، ومن فيديو على YouTube، ومن شخص متخصص في دولة أخرى، ومن مجتمع إلكتروني، ومن منشور على شبكة اجتماعية، ومن تجربة شخص لم يلتقِ به في حياته.

لكننا لم نعد إلى الماضي. المدرسة ما زالت موجودة. بل أصبح حولها عالم تعلم أكبر منها.

بدأ الإنسان رحلته يتعلّم من مجتمع حوله، ثم جمع التعليم داخل المدرسة، واليوم أعادت التكنولوجيا فتح أبواب المدرسة على مجتمع معرفي يمتد إلى العالم كله.

ربما لم تعد المدرسة تحتكر التعلم. لكن هذا لا يعني أن مهمتها انتهت. ربما يعني أن مهمتها أصبحت أكثر تعقيدًا.

إذا لم يعد المعلم المصدر الوحيد… فما دوره؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن كثرة المصادر تقلل الحاجة إلى المعلم. فالطالب يستطيع البحث. والمشاهدة. والسؤال. والوصول إلى عشرات الشروحات للموضوع نفسه.

فلماذا يحتاج إلى شخص آخر يشرح له؟

لكن ربما يكون السؤال مبنيًا على فهم قديم لدور المعلم.

إذا كانت وظيفة المعلم فقط أن يحمل معلومة لا يستطيع الطالب الوصول إليها، فمن الطبيعي أن يشعر بالتهديد عندما تصبح المعلومات متاحة في كل مكان. لكن عندما تصبح المعرفة وفيرة، تظهر وظائف أخرى أكثر أهمية.

من يساعد الطالب على معرفة ماذا يتعلم أولًا؟ ومن يربط ما شاهده اليوم بما تعلمه أمس؟ ومن يكتشف أنه فهم مفهومًا بطريقة خاطئة؟ ومن يساعده على المقارنة بين مصدرين؟ ومن يعرف مستواه ويلاحظ ما يحتاج إليه؟ ومن يحول المعلومات المتناثرة إلى مسار متماسك؟

وهنا يتغير دور المعلم.

عندما كانت المعرفة نادرة، كان المعلم يساعد المتعلم على الوصول إليها؛ وعندما أصبحت وفيرة، أصبح دوره الأهم أن يساعده على فهمها وتنظيمها والتحقق منها واستخدامها.

المعلم لا يحتاج إلى منافسة الإنترنت في كمية المعلومات. فالإنترنت سيكسب هذه المنافسة دائمًا.

لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا مختلفًا. أن يحول التشتت إلى مسار، والمعلومة إلى فهم، والمحتوى إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة.

المعلم في العصر الرقمي لا يفقد قيمته لأن مصادر المعرفة كثرت؛ بل تتغير قيمته من امتلاك المعرفة إلى القدرة على قيادة المتعلم وسط وفرتها.

الخوارزمية… طرف جديد في رحلة التعلّم

لكن الشبكات الاجتماعية أضافت عنصرًا لم يكن حاضرًا بهذه القوة في المراحل السابقة.

في المدرسة، هناك من يحدد جزءًا كبيرًا مما يتعرض له الطالب. المنهج. المعلم. الجدول.

أما في الشبكات الاجتماعية، فلا يختار الإنسان وحده كل ما يراه. هناك الخوارزمية.

هي تلاحظ ما ضغطت عليه. وما شاهدته حتى النهاية. وما تجاوزته بسرعة. وما أعجبك. وما عدت إليه. ثم تستخدم هذه الإشارات لكي تختار جزءًا مما سيظهر أمامك بعد ذلك.

وهنا يحدث تحول عميق.

في محرك البحث، أنا أكتب ما أبحث عنه. أما في كثير من الشبكات الاجتماعية، فقد يظهر المحتوى أمامي قبل أن أطلبه.

لم يعد الإنسان وحده هو الذي يبحث عن المعرفة؛ أصبحت المنصة أيضًا تختار جانبًا مما ستضعه أمامه.

وهذا يجعل السؤال أكثر تعقيدًا.

إذا شاهد طفل سلسلة من الفيديوهات حول موضوع معين، فمن الذي رسم هذه السلسلة؟ هو؟ الأسرة؟ المعلم؟ أم نظام التوصية؟

وتشير OECD في تقريرها لعام 2026 عن نشأة الأطفال في عصر الشبكات الاجتماعية إلى أن هذه المنصات أصبحت جزءًا مركزيًا من كيفية تواصل الشباب واستهلاكهم للمعلومات، وهو ما جعل تأثيرها في التعلم والمهارات والرفاه موضوعًا متزايد الأهمية للأسر والمعلمين وصانعي السياسات. (oecd.org)

وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا لم يكن موجودًا بهذه الصورة من قبل:

من يصمم البيئة المعرفية التي يعيش فيها الطفل اليوم: المدرسة، الأسرة، أم الخوارزمية؟

الخوارزمية تعرف ما يجذبك… لكن هل تعرف ما تحتاج إلى تعلمه؟

وهنا يظهر فرق أساسي بين المنصة التعليمية والشبكة الاجتماعية.

في التعليم، من المفترض أن نسأل: ما الذي يحتاج الطالب إلى تعلمه؟ ما الخطوة التي يجب أن تأتي بعد الخطوة السابقة؟ ما الذي يناسب عمره ومستواه؟

أما المنصة الاجتماعية فلها أهداف أخرى أيضًا. من أهمها أن تستمر في استخدامها.

لذلك قد يكون المحتوى الذي يظهر لك هو المحتوى الأكثر قدرة على إبقائك منتبهًا، وليس بالضرورة الأكثر أهمية لك من الناحية التعليمية.

وهنا تظهر وظيفة للمعلم لا تستطيع الخوارزمية أن تقوم بها بالطريقة نفسها.

الخوارزمية قد تعرف ما الذي يجذب انتباه الطالب، لكن المعلم يجب أن يعرف ما الذي يحتاج الطالب إلى تعلمه حتى عندما لا يجذبه في البداية.

فالرياضيات لا تصبح دائمًا سهلة لأنها ممتعة. والقراءة العميقة تحتاج أحيانًا إلى صبر. وتعلم مهارة معقدة قد يتطلب المرور بأجزاء صعبة قبل أن تظهر النتيجة.

التعليم لا يستطيع أن يقوم كله على السؤال:

هل استمتع الطالب بهذه الدقيقة؟

هناك أحيانًا قيمة فيما يحتاج إلى جهد واستمرار.

عندما أصبح الانتباه عملة

ومع الشبكات الاجتماعية بدأ نوع آخر من المنافسة.

ملايين الأشخاص والمنصات والمعلنين وصناع المحتوى يريدون جزءًا من وقت الإنسان.

ومن هنا ظهر ما يوصف غالبًا بـ اقتصاد الانتباه.

العنوان يجب أن يجذبك. والثواني الأولى من الفيديو يجب أن تمنعك من الانتقال. والمحتوى يصبح أقصر. والانتقال من موضوع إلى آخر أسرع. والصفحة لا تنتهي.

تمرير آخر. ثم فيديو آخر. ثم منشور آخر.

وهنا بدأت طريقة تقديم المعرفة نفسها تتأثر.

هل يمكن شرح الفكرة في دقيقة؟ هل يمكن اختصار الموضوع في خمس نقاط؟ هل يمكن تلخيص كتاب في فيديو قصير؟

أحيانًا نعم.

وهذا ليس أمرًا سيئًا في ذاته. فالتبسيط مهارة رائعة. والمحتوى القصير قد يفتح بابًا لموضوع لم يكن الإنسان يعرف عنه شيئًا.

لكن هناك فرقًا بين تبسيط الفكرة وتسطيحها.

اختصار المعلومة قد يسهل الوصول إليها، لكنه لا يجب أن يختصر التفكير اللازم لفهمها.

والـOECD تشير في أبحاثها إلى أن البيئة الرقمية قد تفتح فرصًا للتعلم، لكنها قد تكون أيضًا مصدرًا للتشتت، وأن المهم ليس عدد الساعات وحده بل نوع الاستخدام والسياق والمهارات التي تساعد المتعلم على إدارة انتباهه. (oecd.org)

هل ما شاهدته معرفة… أم مجرد محتوى؟

وهنا نصل إلى تحدٍ بالغ الأهمية.

في الماضي، كان نشر كتاب واسع الانتشار يحتاج غالبًا إلى ناشر. ونشر برنامج تلفزيوني يحتاج إلى قناة. ونشر مقال صحفي يحتاج إلى مؤسسة.

هذه المؤسسات لم تكن تضمن دائمًا صحة كل شيء، لكنها كانت تمثل بوابات تمر من خلالها عملية النشر.

أما اليوم فيستطيع الإنسان أن ينشر معلومة خلال ثوانٍ.

وهذه ديمقراطية معرفية مذهلة. فمن كان لا يملك صوتًا يستطيع الآن أن يشارك خبرته.

لكن الباب نفسه مفتوح أيضًا للخطأ. وللتضليل. وللمبالغة. وللمعلومات التي تبدو علمية وهي ليست كذلك. وقد يتحول الرأي إلى «حقيقة» فقط لأنه قُدّم بصورة جذابة.

كلما أصبح نشر المعرفة أكثر ديمقراطية، أصبحت مسؤولية التحقق منها أكبر.

عدد المشاهدات ليس دليلًا على الصحة. وعدد المتابعين لا يساوي الخبرة. والثقة أثناء الكلام ليست مؤهلًا علميًا.

ولهذا أصبحت الثقافة الإعلامية والمعلوماتية جزءًا أساسيًا من مهارات الإنسان في العصر الرقمي. وتعتبر UNESCO القدرة على الوصول النقدي إلى المعلومات وتقييمها واستخدامها وفهم بيئة الإعلام الرقمية من المهارات الأساسية للتعامل مع التضليل والمعلومات الخاطئة والتقنيات الرقمية الحديثة. (unesco.org)

عندما أصبح «المؤثر» قادرًا على أن يعلّم

وهنا ظهر نموذج جديد أيضًا.

صانع المحتوى.

قد يكون متخصصًا حقيقيًا يقدم معرفة ممتازة. وقد يكون شخصًا لديه موهبة في الشرح. وقد يجمع الاثنين. وقد لا يملك أيًا منهما، لكنه يعرف كيف يجذب الانتباه.

وهنا تختلط الأدوار أحيانًا. التعليم. والترفيه. والتسويق. والرأي الشخصي.

وقد يبدأ الفيديو كمعلومة، وينتهي بإعلان. أو يقدم تجربة فردية وكأنها قاعدة عامة.

ولهذا لم يعد السؤال فقط:

هل فهمت المحتوى؟

بل:

من أنتجه؟ ولماذا؟ وما مصدره؟

وهذه في رأيي مهارة يجب ألا نتعامل معها باعتبارها ترفًا إضافيًا في التعليم. لقد أصبحت جزءًا من كيفية التعلم نفسها.

من المجتمع المحلي… إلى مجتمع معرفة عالمي

لكن وسط هذه التحديات هناك جانب إيجابي هائل.

الشبكات الاجتماعية والمجتمعات الرقمية أعادت إلى الإنسان إحدى أقدم طرق التعلم:

التعلم من الآخرين.

شخص يسأل. آخر يجيب. ثالث يضيف تجربة. رابع يصحح. وخامس يضع مصدرًا.

يمكن لمبرمج أن يجد مجتمعًا كاملًا يساعده في مشكلة. ولمريض أن يقرأ تجارب أشخاص آخرين، مع ضرورة التمييز بالطبع بين التجربة والنصيحة الطبية. ولمتعلم لغة أن يتحدث مع متحدثين بها من دول مختلفة. ولصاحب مهنة صغيرة أن يتعلم من خبرات أشخاص في قارات أخرى.

وهكذا عدنا بشكل غريب إلى البداية.

لكن المجتمع هذه المرة ليس القبيلة أو القرية أو الحي فقط.

إنه مجتمع قد يمتد حول العالم.

بدأت رحلة الإنسان بالتعلّم من المجتمع، وبعد آلاف السنين عدنا إلى التعلّم من المجتمع مرة أخرى؛ لكن المجتمع هذه المرة أصبح عالميًا ورقميًا.

ولكن المعرفة الموزعة تحتاج إلى من يجمعها

وهنا يصبح المعلم أكثر أهمية بطريقة مختلفة.

لنفترض أن الطالب شاهد خمس مقاطع عن موضوع علمي. واحد ممتاز. واثنان صحيحان لكنهما مبسطان أكثر من اللازم. وواحد يحتوي خطأ. وآخر يقدم رأيًا شخصيًا.

قد يصل الطالب إلى الفصل وهو يحمل معلومات أكثر مما كان يحمله طالب قبل عشرين عامًا.

لكن هل يحمل فهمًا أفضل؟

ليس بالضرورة.

وهنا تظهر وظيفة المدرسة والمعلم في عصر وفرة المصادر.

ليس المطلوب أن يمنع الطالب من التعلم خارج المدرسة. بل ربما العكس.

أن يقول له: ماذا وجدت؟ من قال ذلك؟ هل نستطيع التحقق؟ هل هناك رأي آخر؟ كيف يرتبط هذا بما ندرسه؟

كلما زاد عدد من يستطيعون الشرح، ازدادت الحاجة إلى من يساعد المتعلم على التمييز بين الشرح الجيد والشرح المقنع فقط.

المعلم هنا لا يغلق الباب أمام العالم. بل يساعد الطالب على الدخول إليه بطريقة أفضل.

الأسرة أيضًا لم تعد ترى العالم نفسه الذي يراه الطفل

في عصر التلفزيون، كان أفراد الأسرة يشاهدون إلى حد كبير مجموعة محدودة من القنوات. قد تختلف البرامج، لكن البيئة الإعلامية كانت أكثر وضوحًا.

أما الآن، فقد يعيش شخصان في المنزل نفسه داخل عالمين رقميين مختلفين تمامًا. كل منهما لديه حسابه. وسجل مشاهدته. واهتماماته. والخوارزمية التي تتعلم منه.

وبالتالي يمكن أن يظهر للطفل محتوى لا يعرف الأب أو الأم أصلًا أنه موجود.

وهنا يصبح من الصعب أن يكون دور الأسرة مجرد:

أراقب كل ما يشاهده الطفل.

فالكمية أكبر من أن تُراقب بالكامل.

ربما يصبح الدور الأهم:

أن أعلّمه كيف يتعامل مع ما سيشاهده عندما لا أكون معه.

يسأل. ويتوقف. ويتحقق. ويعرف أن عدد المشاهدات ليس حقيقة. وأن المؤثر ليس دائمًا خبيرًا. وأن بعض المحتوى إعلان حتى لو لم يظهر في شكل إعلان واضح.

وتشير أبحاث OECD أيضًا إلى أهمية السياق الاجتماعي والأسري في كيفية استفادة الأطفال من الوسائط الرقمية، وأن استخدام التقنية مع الحوار والمشاركة يمكن أن يكون أكثر قيمة من النظر إليها كأداة منفصلة عن البيئة المحيطة بالطفل. (oecd.org)

المدرسة لم تعد وحدها تملك البيئة التعليمية

وهنا ربما وصلنا إلى واحدة من أهم نتائج هذه المرحلة.

لسنوات طويلة، كانت المدرسة تستطيع إلى حد كبير أن تقول: هذا هو الكتاب. وهذا هو المنهج. وهذا هو المعلم. وهذا ما سيدرسه الطالب اليوم.

أما الآن، فالطالب يغادر المدرسة، ويحمل معه عالمًا معرفيًا لا تستطيع المؤسسة التحكم فيه بالكامل.

وهذا لا يعني أن المدرسة فقدت أهميتها. لكنه يعني أنها لم تعد تستطيع أن تتصرف وكأن كل ما يتعلمه الطالب يبدأ وينتهي داخل جدرانها.

المتعلم يعيش اليوم داخل منظومتين في الوقت نفسه: منظومة تعليم منظمة تقودها المدرسة، ومنظومة تعلم مفتوحة يصنعها المجتمع الرقمي والخوارزميات وملايين الناشرين.

والتحدي الحقيقي ليس أن نجبر إحداهما على إلغاء الأخرى.

بل أن نساعد المتعلم على التنقل بينهما دون أن يفقد الاتجاه.

من «المعلّم» إلى «من يقود رحلة التعلّم»

ربما هنا يجب أن نعيد تعريف كلمة المعلم مرة أخرى.

ليس بوصفه الشخص الذي يقف أمام الفصل ويخبر الطلاب بما يعرفه فقط.

بل بوصفه الشخص الذي يساعدهم على: الوصول إلى السؤال الصحيح. وبناء أساس معرفي متماسك. واختيار المصادر. والتحقق. والنقاش. والتجربة. ورؤية ما لا يظهر في الفيديو القصير. والاستمرار عندما تصبح المعرفة أصعب من أن تُشرح في ستين ثانية.

ربما لم تعد أهم مهارة للمعلم أن يكون أسرع شخص في إعطاء الإجابة، بل أن يساعد الطالب على بناء القدرة التي تجعله يعرف كيف يبحث ويفكر ويتحقق ويتعلم بنفسه.

وهذا الدور سيصبح أكثر أهمية في المرحلة التالية من رحلتنا، لا أقل.

لأن الطرف الذي سيقدم الإجابات للطالب لن يكون إنسانًا فقط.

لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد.

وعندما خرج الإنترنت من الكمبيوتر… ودخل جيب الإنسان

حتى هذه اللحظة كان معظم ما تحدثنا عنه يتطلب أن يدخل الإنسان إلى الإنترنت. يجلس أمام الكمبيوتر. يفتح المتصفح. يدخل إلى الموقع.

ثم جاءت نقلة جعلت كل ما تحدثنا عنه أكثر قوة.

لم يعد الإنترنت مكانًا نذهب إليه.

أصبح جهازًا نحمله معنا طوال الوقت.

في الطريق. وفي العمل. وفي المدرسة. وفي المنزل. قبل النوم. وبعد الاستيقاظ. وفي اللحظات الصغيرة التي كانت يومًا فراغًا لا يحدث فيه شيء.

الهاتف الذكي.

ومعه لم يعد السؤال:

متى ندخل إلى الإنترنت لكي نتعلم؟

بل:

ماذا يحدث لطريقة تعلّم الإنسان عندما تصبح المعرفة، والخوارزمية، والمحتوى، والمجتمع الرقمي كلها في جيبه طوال اليوم؟

وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:

الإنسان يتعلّم (16): عندما أصبحت المعرفة في جيبنا… كيف غيّر الهاتف الذكي طريقة التعلّم؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (15): عندما أصبح الجميع ناشرين… كيف غيّرت الشبكات الاجتماعية طريقة تعلّمنا؟. Hesham Khalafallah.