في المقالات السابقة بنينا تدريجيًا صورة لمنظومة التعليم. بدأنا بـ المتعلم، ثم الأسرة والبيئة المحيطة به، والمعلم أو الموجّه، والمعرفة والمنهج، ثم المدرسة والنظام التعليمي، وبعد ذلك الرؤية والسياسة والتخطيط التي تحدد الاتجاه الذي تتحرك فيه المنظومة.
لكن بقي عنصر آخر يبدو بسيطًا، بينما أراه شديد الأهمية: كيف تنتقل المعلومة نفسها إلى المتعلم؟
قد يكون لدينا معلم ممتاز، ومنهج جيد، ومدرسة منظمة، ورؤية واضحة، لكن في النهاية يجب أن تنتقل المعرفة من مكان ما إلى عقل المتعلم.
وهنا يظهر عنصر جديد يمكن أن نضيفه إلى منظومة التعليم: الوسيلة التعليمية أو وسيلة نقل المعرفة.
في البداية كانت هذه الوسيلة بسيطة للغاية. كان المعلم يتحدث، والطالب يستمع. ثم أصبح هناك ما يُكتب على الحائط أو اللوح والسبورة، ورسوم وخرائط وكتب وصور ونماذج تساعد المعلم على الشرح.
ثم جاءت مرحلة فاصلة تمامًا. أصبح من الممكن أن يدخل إلى الفصل صوت ليس صوت المعلم، وصورة لم يرسمها المعلم، ومشهد لم يحدث أمام الطلاب أصلًا. وهنا بدأت الوسائل المساعدة تأخذ دورًا جديدًا في التعليم.
عندما كان المعلم نفسه هو الوسيلة التعليمية
تخيل معلم جغرافيا قبل وجود الفيديو والصور الرقمية وأجهزة العرض. يشرح للأطفال الجبال والوديان والشلالات والبراكين والصحارى والبحار، بينما قد يعيش طلابه في بيئة لم يروا فيها شيئًا من ذلك. وربما يكون المعلم نفسه لم يرَ بعضها إلا في كتاب أو رسم.
كيف يجعل الطفل يتخيل جبلًا شاهقًا إذا كان كل ما حوله أرضًا منبسطة؟ وكيف يصف شلالًا لطفل لم يره من قبل؟
ومعلم العلوم قد يشرح تفاعلًا كيميائيًا لا توجد إمكانات لتنفيذه داخل المدرسة، أو ظاهرة تحدث في الفضاء، أو تركيبًا داخل جسم الإنسان لا يستطيع الطالب رؤيته. أما معلم التاريخ فعليه أن يعيد بناء مدينة أو معركة أو حضارة مضى عليها مئات أو آلاف السنين. ومعلم اللغة قد يحاول تعليم نطق صوت أو كلمة بلغة لا يسمعها الطالب في بيئته أصلًا.
كان على المعلم أن يفعل كل هذا تقريبًا باستخدام الكلمة والصوت والتشبيه والرسم والخيال.
ولهذا أرى أن المعلم في تلك المرحلة لم يكن ناقلًا للمعرفة فقط، بل كان أيضًا جزءًا أساسيًا من الوسيلة التي تحملها.
قبل أن يرى الطالب العالم بعينه، كان المعلم مطالبًا أن يبنيه له بالكلمة داخل خياله.
وهذا يفسر لماذا كانت مهارة الشرح والوصف والقص والتشبيه من أهم قدرات المعلم. فالمعلم الذي يستطيع أن يحكي ويصف ويرسم ويضرب الأمثلة قد يجعل موضوعًا بعيدًا أو معقدًا قريبًا من عقل الطالب.
أما إذا لم يمتلك هذه القدرة، فقد تبقى المعلومات كلمات داخل كتاب لا يستطيع المتعلم تكوين صورة حقيقية لها.
ولكن من علّم المعلم كيف يشرح؟
وهنا يظهر سؤال كنت أفكر فيه ونحن نبني هذا المقال: إذا كان المعلم نفسه لم يعش التجربة التي يشرحها، فمن أين عرفها؟ وكيف تعلّم أن يقدمها للطلاب؟
لم تكن الإجابة واحدة في كل زمان أو مكان. كان المعلم يعتمد على ما تعلمه هو نفسه، وعلى الكتب والمراجع، وعلى معلمين سبقوه، وعلى تجربته الشخصية وقدرته على الملاحظة والتفسير.
ومع تطور أنظمة التعليم، بدأ إعداد المعلم نفسه يصبح أكثر تنظيمًا، وظهرت مؤسسات وبرامج لإعداد المعلمين، وأصبحت طرق التدريس وإدارة الفصل والتدريب العملي جزءًا من التأهيل المهني.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن التدريس ليس مجرد أن تعرف المعلومة. قد يكون الإنسان متخصصًا ممتازًا في الرياضيات، لكنه لا يستطيع تبسيط فكرة رياضية لطفل. وقد يعرف العالم الكثير عن موضوع ما، لكن نقل هذه المعرفة إلى شخص آخر يحتاج إلى مهارة مختلفة.
ومع الوقت ظهرت أيضًا أدلة للمعلمين وخرائط ورسوم ونماذج ومواد معدة خصيصًا للمساعدة على الشرح. أي أن المجتمع بدأ تدريجيًا يحاول ألا يجعل جودة التعليم معتمدة بالكامل على موهبة المعلم الفردية في الوصف.
وهنا بدأت الوسيلة التعليمية تؤدي وظيفة شديدة الأهمية: أن تساعد المعلم على تجسيد ما يقوله.
من الشرح إلى الرسم… ثم إلى الصورة
قبل الراديو والتلفزيون بزمن طويل كانت هناك محاولات لجعل المعرفة أكثر وضوحًا. السبورة نفسها وسيلة. والرسم وسيلة. والخريطة وسيلة. والمجسم وسيلة. والصور الموجودة داخل الكتاب وسيلة.
فإذا لم يستطع المعلم أن يحضر الجبل إلى الفصل، يمكنه أن يرسمه. وإذا لم يستطع أن يأخذ الأطفال إلى دولة أخرى، يمكنه أن يعرض خريطة. وإذا كان من الصعب شرح تركيب شيء معقد بالكلمات، يمكن أن يساعد الرسم التوضيحي.
ومع تطور الطباعة أصبحت الكتب قادرة على تقديم رسوم وصور ومخططات أكثر، فلم يعد الكتاب نصًا فقط. وهنا بدأ جزء من عبء الشرح ينتقل من قدرة المعلم على الوصف إلى الوسيلة التي يستخدمها.
لكن الصورة الثابتة كان لها حدود أيضًا. الصورة تستطيع أن تُظهر الحيوان، لكنها لا تظهر دائمًا كيف يتحرك. والرسم يستطيع أن يوضح التجربة، لكنه لا يجعل الطالب يراها وهي تحدث. والخريطة تظهر المكان، لكنها لا تنقل صوته وحركته وطبيعته كما هي.
ولهذا كانت الحاجة مستمرة إلى شيء أكثر قربًا من التجربة نفسها. ثم جاء الصوت المسجل، وجاء الراديو، والفيلم، والتلفزيون، والفيديو.
وهنا تغير شيء أساسي.
الوسيلة التعليمية لم تعد تساعد المعلم فقط على وصف العالم، بل بدأت تستطيع أن تُحضر جزءًا من هذا العالم إلى الفصل.
عندما دخل الصوت والصورة إلى التعليم
الراديو والتلفزيون والسينما لم تظهر أساسًا لأنها مشروعات تعليمية. كانت وسائل للاتصال والإعلام والترفيه والثقافة، لكن سرعان ما بدأ التربويون والمؤسسات التعليمية يرون فيها إمكانية مختلفة تمامًا.
إذا كان الراديو يستطيع إيصال الموسيقى والأخبار إلى آلاف المنازل، فلماذا لا يستطيع إيصال درس؟ وإذا كان الفيلم يستطيع أن يأخذ المشاهد إلى غابة أو مصنع أو بلد بعيد، فلماذا لا يستطيع أن يساعد الطالب على تعلم الجغرافيا أو العلوم؟ وإذا كان التلفزيون قادرًا على جذب الطفل لساعات، فهل يمكن استخدام الصورة والحركة والصوت لنقل المعرفة أيضًا؟
ومنذ العقود الأولى للبث الإذاعي ظهرت استخدامات تعليمية للراديو، ثم حاول التربويون الاستفادة من الفيلم والتلفزيون في المدارس. ولم يكن النجاح تلقائيًا؛ فقد واجه استخدام الأفلام التعليمية مثلًا تحديات تتعلق بتدريب المعلم على الأجهزة، وتكلفتها، وتوافرها، والوقت المطلوب لاختيار المادة المناسبة للحصة. (encyclopedia.com)
ومع الوقت أصبحت الوسائط السمعية والبصرية جزءًا واضحًا من التفكير في التعليم، واستخدمت الأفلام والبرامج الوثائقية والمحتوى العلمي والتعليمي في مجالات متنوعة، وهو اتجاه استمر وتطور حتى أصبحت اليونسكو نفسها تتعامل مع الراديو والتلفزيون والوسائط المختلفة باعتبارها أدوات تحتاج إلى تصميم تربوي وإلى إعداد المعلمين لاستخدامها، لا مجرد أجهزة تعرض المحتوى. (unesco.org)
وأصبحت قدرة المعلم أكبر. لم يعد مضطرًا إلى تقليد صوت حيوان؛ يمكن للطالب سماعه. ولم يعد مضطرًا إلى وصف حركة البركان فقط؛ يمكن للطالب مشاهدتها. ويمكن تصوير تجربة علمية خطرة أو مكلفة وعرضها مرات متعددة. ويمكن للطالب مشاهدة مدينة أو بيئة أو حضارة لم يزرها في حياته.
الوسيلة لم تُلغِ الشرح، لكنها نقلت جزءًا من عبء الوصف من ذاكرة المعلم وخياله إلى صورة وصوت يستطيع المتعلم أن يراه ويسمعه بنفسه.
ولكن… كيف نستخدم شيئًا للترفيه في التعليم؟
وهنا أعتقد أن هناك جانبًا نفسيًا واجتماعيًا لا يقل أهمية عن الجهاز نفسه.
فالأسرة والمعلم والمجتمع كانوا يعرفون الراديو والتلفزيون والسينما أساسًا باعتبارها أدوات للأخبار والترفيه والتسلية. فكيف يتحول شيء يشاهد فيه الطفل فيلمًا أو برنامجًا ترفيهيًا إلى جزء من التعليم؟
هذا السؤال يبدو مألوفًا جدًا اليوم. لأننا سنراه مرة أخرى مع الحاسوب، ثم الإنترنت، ثم الهاتف، ثم الألعاب الرقمية، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، ثم الذكاء الاصطناعي.
في كل مرة تقريبًا تظهر أداة خارج المدرسة، يستخدمها الناس أولًا لغرض ما، ثم يبدأ شخص بالسؤال: هل نستطيع استخدامها أيضًا لكي نتعلّم؟
ويبدأ معها الجدل. فالبعض يتحمس، والبعض يرى أن الأداة تضيّع الوقت، والبعض يخشى أن يتشتت الطالب، والبعض يقول إن الطريقة القديمة كانت أفضل، والبعض يرى أن الوسيلة الجديدة ستجعل التعليم أسهل وأكثر جاذبية.
وهنا من المهم ألا نصف تحفظ المعلم دائمًا بأنه مقاومة للتطور. قد يكون لديه أسباب حقيقية.
الأداة تحتاج إلى وقت لإعدادها، وقد تحتاج إلى مهارة لم يتدرب عليها، وقد تتعطل أمام الطلاب، وقد يكون المحتوى الجاهز غير مناسب لمنهجه، وقد يشعر أن استخدام الوسيلة سيأخذ جزءًا من زمن الحصة دون أن يعرف هل سيحسن التعلم بالفعل أم لا.
وأحيانًا تكون المسألة أعمق من ذلك. فالمعلم الذي قضى سنوات يبني هويته المهنية باعتباره الشخص الذي يعرف ويشرح ويصف قد يرى فجأة أداة تستطيع أن تعرض المشهد بصورة أوضح مما يستطيع هو وصفه.
وهنا يظهر سؤال سيتكرر معنا مع كل مرحلة من مراحل تطور التعليم:
هل هذه الأداة تساعدني على أن أكون معلمًا أفضل… أم أنها تقلل الحاجة إليّ؟
هذا السؤال ليس جديدًا كما قد نعتقد. الذي يتغير من عصر إلى آخر هو قدرة الأداة.
ذكرى من المدرسة… عندما كان التلفزيون قمة التكنولوجيا
أتذكر عندما كنت في المرحلة الابتدائية أن وجود جهاز تلفزيون وفيديو داخل مكتبة المدرسة كان شيئًا مختلفًا تمامًا.
كنا أحيانًا نشاهد فيلمًا وثائقيًا، أو فيلم كرتون تعليميًا، أو مادة مصورة ضمن أنشطة المكتبة.
قد يبدو ذلك اليوم شيئًا بسيطًا جدًا. طفل اليوم يستطيع أن يحمل في يده شاشة فيها ملايين الساعات من الفيديو، ويبحث في لحظة عن أي حيوان أو مدينة أو تجربة يريد مشاهدتها.
لكن في ذلك الوقت، كان دخولنا إلى المكتبة ومشاهدة مادة تعليمية على التلفزيون بالنسبة لنا قمة التكنولوجيا.
كانت التجربة مختلفة عن الكتاب والسبورة. الصورة تتحرك. والصوت موجود. ويمكن أن نشاهد شيئًا لم يكن موجودًا أصلًا داخل المدرسة.
وفجأة لم تعد المدرسة تشرح لنا العالم فقط.
بدأت تستطيع أن ترينا جزءًا منه.
وأعتقد أن هذه هي القيمة الحقيقية لأي تقنية عندما تدخل التعليم. ليس أن تكون جديدة. بل أن تجعل شيئًا كان صعبًا أو مستحيلًا في السابق ممكنًا.
الوسيلة تساعد المعلم… لكنها لا تصنع التعلّم وحدها
لكن هنا ظهرت مشكلة جديدة. هل مجرد مشاهدة الطالب لفيلم تعليمي تعني أنه تعلم؟
بالتأكيد لا.
قد يشاهد الطفل فيلمًا رائعًا وينشغل بالمشاهد أكثر من الفكرة التي أراد المعلم أن يتعلمها. وقد يعرض المعلم فيديو ممتازًا ثم ينتهي الأمر دون نقاش أو سؤال أو تطبيق. وقد يكون المحتوى جذابًا لكنه غير مناسب لعمر الطلاب أو لمستوى معرفتهم.
وهنا تظهر واحدة من القواعد التي أعتقد أننا سنحتاج إليها كثيرًا في بقية الرحلة:
جاذبية الوسيلة لا تعني بالضرورة جودة التعلّم.
فالوسيلة تستطيع أن تعرض، لكن المعلم ما زال يحتاج إلى أن يختار لماذا يعرضها، ومتى، وما الذي يجب أن يلاحظه الطالب، وكيف يربط ما شاهده بما يعرفه، وكيف يحول المشاهدة إلى فهم.
حتى التجارب الحديثة مع التعليم عبر الراديو والتلفزيون تؤكد أن نجاح المحتوى السمعي والبصري يحتاج إلى تعاون بين التربويين ومنتجي الوسائط، وإلى وضوح في أهداف التعلم وطريقة قياسها، وليس مجرد بث المادة أمام المتعلم. (unesco.org)
ولهذا يمكن أن نقول:
الوسيلة تحمل المعرفة، لكن المعلم يمنحها السياق والمعنى.
وهنا لم يعد السؤال هل نستخدم الوسيلة أم لا، بل: كيف نستخدمها؟
وهذا تطور مهم جدًا. لأن المعلم لم يعد مطلوبًا منه فقط أن يعرف مادته ويشرحها. أصبح مطلوبًا منه أيضًا أن يعرف متى تكون الصورة أفضل من الكلام، ومتى يكون الفيديو أفضل من الرسم، ومتى لا يحتاج إلى أي منهما أصلًا.
أي أن ظهور الوسائل التعليمية لم يقلل الحاجة إلى مهارة المعلم، بل أضاف إليها مهارة جديدة: اختيار الوسيلة ودمجها في عملية التعلّم.
وهذه الفكرة ستتكرر معنا في كل المراحل التالية. فنجاح أي تقنية تعليمية لا يتوقف فقط على ما تستطيع التقنية أن تفعله، بل أيضًا على ما يستطيع المعلم أن يفعله بها.
من وسيلة تتحدث إلى الطالب… إلى جهاز ينتظر منه أن يرد
بهذا وصل التعليم إلى مرحلة مختلفة تمامًا عما بدأ به.
كان لدينا في البداية معلم يصف، ثم أصبح يستطيع أن يرسم ويكتب ويستخدم خريطة أو نموذجًا، ثم أصبحت الصورة والصوت والفيلم والتلفزيون والفيديو تساعده على أن ينقل إلى الطالب تجارب ومشاهد وأصواتًا لم يكن الفصل يستطيع احتواءها.
لكن ظل هناك شيء لم يتغير بدرجة كبيرة.
معظم هذه الوسائل كانت تتحدث إلى المتعلم. الطالب يشاهد، يستمع، يتلقى. وقد يسأل ويناقش مع معلمه، لكن الوسيلة نفسها لا تعرف ماذا فعل الطالب ولا تنتظر منه إجابة.
وفي الوقت نفسه كان هناك جهاز آخر يتطور بعيدًا عن هذا المشهد. ظهر في البداية كآلة للحساب والمعالجة، كبيرة ومعقدة ومكلفة، ثم بدأ يتغير ويصغر ويقترب تدريجيًا من الإنسان العادي.
وعندما بدأ كثير منا يسمع عن «الحاسوب»، لم يكن أول ما خطر ببالنا أنه وسيلة نتعلم بها. كان في البداية شيئًا جديدًا نحتاج أن نتعلم عنه.
ما هو الكمبيوتر؟ كيف يعمل؟ وكيف نستخدمه؟
لكن بعد ذلك حدث تحول أكبر بكثير.
أصبحت الشاشة لا تكتفي بأن تعرض لنا شيئًا. بدأت تنتظر منا أن نضغط، ونكتب، ونختار، ونجرب، ونخطئ، ونحاول مرة أخرى.
وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:
كيف تحوّل الحاسوب من آلة نتعلّم عنها… إلى أداة نتعلّم بها؟
