في المقال السابق توقفنا عند الإنسان قبل المدرسة.
كان يتعلّم ممن حوله؛ يراقب، ويقلّد، ويجرب، ويخطئ، ثم يعيد المحاولة. وكانت الحكاية واحدة من أهم الوسائل التي ينقل بها خبرته إلى الآخرين.
لكن الحكاية كانت تحمل مشكلة لا يستطيع الإنسان تجاهلها إلى الأبد.
فالذاكرة تنسى، والرواية قد تتغير عندما تنتقل من شخص إلى آخر، والإنسان الذي يحمل معرفة أو خبرة قد يرحل، فتختفي معه أجزاء منها.
ومع نمو المجتمعات، وزيادة التجارة والمعاملات والممتلكات والخبرات، لم تعد الذاكرة وحدها كافية.
كان الإنسان بحاجة إلى طريقة تجعل ما يعرفه اليوم قادرًا على البقاء إلى الغد، وربما إلى ما بعد حياته هو نفسه.
ومن هنا تبدأ واحدة من أعظم التحولات في تاريخ الإنسان.
لكن السؤال الذي يثير اهتمامي ليس فقط: متى ظهرت الكتابة؟
بل أيضًا: هل بدأت في مجتمع واحد ثم تعلمها الآخرون منه، أم أن مجتمعات مختلفة وصلت إلى أفكار متشابهة لأنها واجهت احتياجات متشابهة؟
الحاجة جاءت قبل الاختراع
ربما يساعدنا هنا أن نتذكر فكرة أساسية في هذه السلسلة:
الإنسان كان يتعلّم قبل أن يوجد التعليم المنظم.
فالطفل يراقب ويقلد ويجرب قبل أن يعرف أسماء هذه العمليات، والإنسان الأول لم يحتج إلى مدرسة حتى يتعلم الصيد أو استخدام الأدوات أو التعامل مع بيئته.
التعلّم جزء أصيل من طبيعتنا، أما التعليم المنظّم فجاء لاحقًا عندما بدأت المجتمعات ترتب عملية نقل المعرفة والخبرة بين الناس والأجيال.
والأمر نفسه ينطبق على كثير من الابتكارات.
نحن نميل عادة إلى السؤال: من اخترع هذا أولًا؟
لكن تاريخ الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
فأحيانًا تظهر فكرة في مجتمع، ثم تنتقل إلى غيره. وأحيانًا تواجه جماعات متباعدة المشكلة نفسها، فتصل بصورة مستقلة إلى حلول متشابهة.
وحتى اليوم قد يفكر إنسان في مصر في حل لمشكلة معينة، ثم يكتشف أن شخصًا في الصين يعمل على فكرة قريبة جدًا، من دون أن يعرف أحدهما الآخر.
ليس بالضرورة أن يكون أحدهما قد نقل عن الآخر.
ربما كانت المشكلة واحدة، والأدوات متقاربة، والعقل البشري يحاول الوصول إلى حل للاحتياج نفسه.
وهذا يجعل قصة الكتابة أكثر إثارة.
فبدل أن نتخيل أن إنسانًا جلس يومًا وقرر: «سأخترع الكتابة»، ربما كانت البداية أبسط بكثير.
كم نملك؟
ماذا خزّنا؟
لمن أعطينا؟
ماذا اتفقنا؟
كيف نسجل ما حدث؟
ومع تزايد الحاجة إلى الحساب والتسجيل والتنظيم، بدأت العلامات والرموز تتحول تدريجيًا إلى أنظمة أكثر قدرة على حفظ المعلومات ونقلها.
وهنا تظهر فكرة أعتقد أنها تتكرر كثيرًا في تاريخ الإنسان:
الحاجة تنتج الأداة، ثم تعود الأداة لتغيّر الإنسان نفسه.
عندما أصبح الرمز يحمل معنى
هذه بالنسبة لي واحدة من أكثر اللحظات إثارة في قصة الكتابة.
تخيل أن الإنسان كان يرى حيوانًا أو شجرة أو شيئًا أمامه، ثم وصل إلى فكرة أن بإمكانه أن يصنع علامة تمثل هذا الشيء.
الخط لم يعد مجرد خط.
أصبح يحمل معنى.
ومع الوقت تطورت العلامات. لم تعد تشير فقط إلى الأشياء التي نراها، بل أصبحت قادرة على التعبير عن أفكار وكلمات وأصوات.
وهنا حدث تحول مهم في طريقة التعلّم.
فالإنسان لم يعد يتعلّم العالم من حوله فقط، بل أصبح عليه أن يتعلّم أيضًا النظام الذي يرمز إلى هذا العالم.
الكتابة حلت مشكلة حفظ المعرفة، لكنها خلقت في الوقت نفسه احتياجًا جديدًا:
أن نتعلم كيف نقرأها.
وهكذا لم تعد المعرفة وحدها موضوع التعلّم، بل أصبحت وسيلة الوصول إلى المعرفة نفسها شيئًا يجب أن نتعلمه.
وأعتقد أننا ما زلنا نعيش الفكرة نفسها حتى اليوم.
فالإنترنت جعل الوصول إلى المعلومات أسهل، لكنه جعل البحث والتمييز بين المصادر والتحقق منها مهارات ضرورية.
والذكاء الاصطناعي يجعل الوصول إلى الإجابات أسرع، لكنه يجعل التفكير النقدي وطرح السؤال الصحيح والتحقق من الإجابة أكثر أهمية.
كل أداة تحل مشكلة، ثم تفتح أمام الإنسان مستوى جديدًا من التعلّم.
لكن ظهور الكتابة أثار مشكلة أخرى أيضًا.
إذا كانت الفكرة واحدة، فلماذا لم يكتب البشر جميعًا بالطريقة نفسها؟
الإجابة ببساطة أن البشر لم يعيشوا في مجتمع واحد، ولم يتحدثوا لغة واحدة.
نشأت الجماعات في بيئات مختلفة، وطورت لغاتها وثقافاتها وطرقها الخاصة في التعبير. كما أثرت وسيلة الكتابة نفسها في شكل العلامات؛ فالكتابة على الحجر ليست كالكتابة على الطين، والكتابة على البردي تختلف عنهما.
وفي أحيان كثيرة انتقلت أنظمة الكتابة أو بعض أفكارها من مجتمع إلى آخر، لكن المجتمع الجديد لم يأخذها دائمًا كما هي، بل عدّلها لتناسب لغته وأصواته واحتياجاته.
وهنا تظهر واحدة من أجمل خصائص المعرفة الإنسانية:
نحن لا ننقل المعرفة فقط… بل نعيد تشكيلها أيضًا.
حفظ المعرفة لا يعني فهمها
الكتابة منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على أن يترك معرفته خارج ذاكرته.
أصبحت الفكرة قادرة على أن تبقى على حجر أو لوح أو ورقة بعد غياب صاحبها.
ولأول مرة أصبح من الممكن بصورة أوسع أن نتعلّم من إنسان لم نلتقِ به، وربما عاش قبلنا بقرون.
لكن هنا ظهرت مفارقة جديدة.
قد تستطيع أن تحفظ نصًا لمئات أو آلاف السنين، ومع ذلك يأتي وقت لا يستطيع أحد فيه قراءته.
الرموز موجودة.
والنص موجود.
وربما المعرفة موجودة أيضًا.
لكن المفتاح مفقود.
ولهذا أرى أن إحدى أهم أفكار هذه المرحلة هي:
حفظ المعرفة لا يعني بالضرورة فهم المعرفة.
وتقدم الهيروغليفية المصرية مثالًا رائعًا على ذلك.
فقد بقيت النقوش موجودة لقرون، يراها الناس، بينما فُقدت القدرة على قراءتها على نطاق واسع.
ثم ساعد حجر رشيد، بما احتواه من نص واحد مكتوب بصيغ مختلفة، الباحثين على المقارنة وفك جانب مهم من نظام الكتابة الهيروغليفية.
وأجد في هذه القصة معنى يتجاوز فك رموز لغة قديمة.
فالكتابة أعطت المعرفة ذاكرة، لكنها لم تضمن أن يظل الإنسان قادرًا على فتح هذه الذاكرة إلى الأبد.
ومن هنا أصبحت اللغة نفسها مفتاحًا للمعرفة.
ومع تواصل الشعوب والحضارات من خلال التجارة والسفر والهجرة والحروب وتبادل الأفكار، أصبح الإنسان يحتاج إلى أكثر من فهم لغته وحدها.
احتاج إلى من يستطيع أن يأخذ فكرة من عالم لغوي ويجعلها مفهومة في عالم آخر.
وهكذا أصبحت الترجمة أكثر من مجرد نقل للكلمات.
أصبحت جسرًا للمعرفة بين البشر.
لم تعد المعرفة تتحرك فقط من شخص إلى شخص أو من جيل إلى جيل، بل بدأت تتحرك أيضًا من مجتمع إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى.
يأخذ مجتمع فكرة، ويفهمها، ويترجمها، ويضيف إليها، ثم تنتقل في صورة جديدة إلى مجتمع ثالث.
وهكذا بدأت المعرفة الإنسانية تتحول تدريجيًا إلى شبكة تتبادل فيها الحضارات ما تعرفه.
عندما أصبحت المعرفة تتراكم
وربما هنا نصل إلى أعظم أثر للكتابة.
الحكاية تسمح للإنسان بأن ينقل تجربته إلى من يسمعه.
أما الكتابة فسمحت له بأن ينقلها إلى إنسان قد يأتي بعده بسنوات أو قرون.
أصبح الجيل التالي لا يبدأ دائمًا من الصفر.
يستطيع أن يعرف شيئًا مما اكتشفه من سبقه، ثم يضيف إليه.
ثم يأتي جيل آخر فيضيف فوق الإضافة.
وهكذا أصبحت المعرفة طبقات متراكمة.
وهذا، في رأيي، أحد أسرار الحضارة نفسها.
قوة الإنسان ليست فقط في قدرته على التعلّم، بل في قدرته على الاحتفاظ بما تعلّمه الآخرون والبناء عليه.
لكن الكتابة لم تغيّر فقط الطريقة التي نحفظ بها المعرفة.
أعتقد أنها غيّرت أيضًا الطريقة التي نفكر بها.
وأشعر بهذا في تجربتي الشخصية حتى اليوم.
أحيانًا تكون لدي فكرة وأشعر أنها واضحة تمامًا في رأسي، ثم أبدأ في كتابتها فأكتشف أن بعض أجزائها لم تكن واضحة كما كنت أتصور.
أعيد ترتيبها.
أحذف.
أضيف.
وأحيانًا أكتشف أثناء الكتابة فكرة لم أكن أراها قبل أن أبدأ.
وهنا تصبح الكتابة أكثر من مجرد وسيلة لحفظ التفكير.
تصبح أداة للتفكير نفسه.
وربما لهذا، رغم ما نملكه اليوم من صوت وصورة وفيديو وذكاء اصطناعي، ما زلنا نكتب.
فالكتابة لا تحفظ أفكارنا فقط؛ أحيانًا تساعدنا على اكتشاف ما الذي نفكر فيه أصلًا.
وهكذا لم تكن الكتابة مجرد حروف ورموز.
لقد غيّرت مكان وجود المعرفة نفسها.
كانت المعرفة تعيش بدرجة كبيرة داخل ذاكرة الإنسان، ثم أصبح بالإمكان أن تعيش خارجه أيضًا.
وأصبح الإنسان قادرًا على أن يترك شيئًا من معرفته بعد رحيله.
ومن هنا بدأت رحلة جديدة.
تعلمنا الرمز، ثم القراءة، ثم الكتابة، ثم لغات الآخرين والترجمة.
ومع ازدياد ما يكتبه الإنسان ظهرت مشكلة جديدة:
لقد نجحنا في حفظ المعرفة…
لكن هذه المعرفة بدأت تكبر وتتراكم.
فأين سنضع كل ما كتبناه؟ وكيف سننظمه ونحفظه ونعود إليه؟
وهنا سيأخذ الإنسان خطوة جديدة.
ستظهر المخطوطات والكتب والمكتبات.
فالكتابة منحت المعرفة ذاكرة…
أما المرحلة القادمة فسوف تمنح هذه الذاكرة مكانًا تعيش فيه.
ومن هنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم».
