حتى هذه المرحلة من رحلتنا، كنا نتحدث عن الإنسان وهو يبحث عن المعرفة ويطوّر الأدوات التي تساعده على حفظها والوصول إليها ونشرها. تعلّم بالملاحظة والحكاية، ثم بالكتابة، ثم بالكتاب والمكتبة، ومع الطباعة أصبح من الممكن أن تصل المعرفة إلى أعداد أكبر من الناس.
لكن هنا حدث تحول مختلف. لم يعد السؤال فقط: كيف يتعلّم الإنسان؟ بدأ المجتمع يسأل أيضًا: كيف نضمن أن يتعلّم الجميع؟
وهنا بدأ التعليم يتحول تدريجيًا من فرصة قد تتوفر للبعض إلى شأن اجتماعي عام، ثم إلى حق، وفي دول كثيرة إلى تعليم إلزامي تنظمه الدولة وتحدد مراحله وسنواته. تاريخيًا، كان الوصول الواسع إلى التعليم الأساسي تطورًا حديثًا نسبيًا؛ ففي أوائل القرن التاسع عشر لم يكن معظم سكان العالم قد حصلوا على تعليم أساسي، ثم توسعت نظم التعليم العام بصورة كبيرة خلال القرنين التاليين. (ourworldindata.org)
وهذا في حد ذاته إنجاز حضاري كبير. لكن مع هذا التحول بدأت تظهر أسئلة جديدة عن معنى التعليم نفسه.
عندما لم يعد التعليم اختيارًا عائليًا فقط
كانت أمي، أطال الله في عمرها، تحكي لي أن بعض العائلات في زمنها كانت تخاف من إرسال أبنائها إلى المدرسة، وأن بعض الأسر كانت أحيانًا تحاول إخفاء الأطفال أو إبقاءهم بعيدًا عن التعليم.
كنت أسمع هذه الحكايات وأفكر: لماذا يخاف إنسان من شيء نراه اليوم أمرًا طبيعيًا وأساسيًا؟ لكن عندما ننظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، نفهم أن المدرسة لم تكن دائمًا جزءًا طبيعيًا من حياة كل أسرة.
قد تحتاج الأسرة إلى الطفل في العمل، وقد تخاف عليه من بيئة لا تعرفها، وقد ترى أن ما يتعلمه داخل البيت أو الحرفة أو المؤسسة الدينية أقرب إلى ثقافتها وحياتها، وقد لا تثق أصلًا في النموذج الذي تحاول الدولة أو المؤسسة التعليمية تقديمه.
وهنا ندرك أن تحويل التعليم إلى قانون لا يعني أن الثقافة ستتغير في اللحظة نفسها. قد يصبح الذهاب إلى المدرسة إلزاميًا، لكن قبول فكرة المدرسة نفسها يحتاج وقتًا وثقة وتوافقًا مع المجتمع.
وهذا التوتر بين التعليم الرسمي والثقافة المحلية لم يختفِ تمامًا حتى اليوم.
عندما أصبح الإنسان «أميًا» لأنه لا يقرأ ولا يكتب
مع انتشار التعليم النظامي، أصبحت القراءة والكتابة من أهم المهارات التي يُقاس بها الحد الأدنى من التعليم. ومن هنا أصبحت كلمة الأمية مرتبطة بدرجة كبيرة بعدم القدرة على القراءة والكتابة، ثم ظهرت برامج محو الأمية بوصفها جزءًا أساسيًا من سياسات التعليم والتنمية.
ومع ذلك، تطور مفهوم محو الأمية نفسه. فاليونسكو اليوم لا تنظر إليه باعتباره مجرد فك الحروف وكتابتها، بل كقدرة ممتدة على الفهم والتفسير والتواصل واستخدام المعلومات، وترى أن محو الأمية مسار متدرج من التعلم وليس حالة بسيطة من «يعرف» أو «لا يعرف». (databrowser.uis.unesco.org)
وهنا أرى أننا نحتاج إلى تمييز مهم جدًا:
أن يكون الإنسان أميًا في القراءة والكتابة لا يعني أنه إنسان بلا معرفة.
قد لا يقرأ شخص كتابًا، لكنه يعرف الأرض ومواسمها بصورة عميقة. وقد لا يحمل شهادة، لكنه يعرف التجارة أو الصيانة أو البناء أو تربية الحيوان بدرجة لا يستطيع كثير من المتعلمين نظريًا الوصول إليها.
إذن نحن أمام نوعين مختلفين من المعرفة: معرفة يكتسبها الإنسان من التعليم النظامي، ومعرفة يكتسبها من الحياة والممارسة والخبرة. والمشكلة تبدأ عندما نعتبر النوع الأول هو المعرفة الوحيدة التي تستحق الاعتراف.
هل من يفشل في المدرسة فشل في التعلّم؟
تخيل طفلًا دخل المدرسة وقضى سنوات فيها. استطاع أن يقرأ ويكتب بدرجة مقبولة، لكنه لم يحب الدراسة، وكانت درجاته ضعيفة، ثم ترك المدرسة مبكرًا.
إذا نظرنا إليه من خلال النظام التعليمي فقط، فقد نصف تجربته بأنها فشل أو تسرب. لكن ماذا لو دخل هذا الطفل ورشة، وتعلّم حرفة، وبعد سنوات أصبح يفهم الآلات بصورة مذهلة، ويحل مشكلات عملية بسرعة، ويبتكر حلولًا، ويعمل بدقة تجعل من يراقبه يظن أنه درس هذا المجال لسنوات طويلة؟
هل نقول إنه لم يتعلّم؟
بالتأكيد تعلّم. لكنه لم يتعلّم بالطريقة التي كان النظام يقيسها.
وفي المقابل، قد يحصل شخص على شهادة، وينجح في الامتحانات، ثم ينسى معظم ما درسه ولا يستطيع أن يستخدمه في موقف حقيقي.
وهنا تظهر واحدة من أصعب الأسئلة في التعليم:
هل نقيس ما تعلّمه الإنسان فعلًا، أم نقيس مدى نجاحه في المرور داخل النظام التعليمي؟
الشهادة مهمة، لكنها لا تخبرنا بكل شيء.
الشهادة تثبت أن الإنسان أكمل مسارًا تعليميًا معينًا، أما الكفاءة فتثبت ما يستطيع أن يفعله فعلًا.
والأفضل أن يعترف النظام بالاثنين.
وهذه ليست مجرد فكرة نظرية؛ فهناك اليوم اتجاهات دولية للاعتراف بالتعلّم الذي يحصل عليه الإنسان خارج المؤسسات الرسمية، سواء من العمل أو التدريب أو الخبرة، من خلال تقييم ما يعرفه وما يستطيع أداءه بدل النظر فقط إلى المكان الذي درس فيه. اليونسكو نفسها تدعو إلى الاعتراف بنتائج التعلم غير النظامي وغير الرسمي والتحقق منها واعتمادها عندما يمكن إثباتها وفق معايير واضحة. (unesco.org)
عندما يكون هناك تعليم… لكن بلا شهادة
شعرت بهذه الفكرة بقوة عندما زرت جمهورية تشاد. كنت في بلد أفريقي في الوقت الذي نتحدث فيه عالميًا عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وفوجئت بأن هناك أطفالًا لا يسيرون في التعليم النظامي بالشكل الذي نعتبره نحن طبيعيًا.
بعض الأسر تفضل أن يتعلم أطفالها داخل بيئة دينية أو تقليدية تتفق مع معتقداتها وثقافتها ونمط حياتها، وقد تنظر إلى بعض صور التعليم الحديث بشك أو تخوف. لكن هؤلاء الأطفال ليسوا بالضرورة بلا تعليم.
قد يتعلم الطفل القراءة بالعربية، ويحفظ القرآن، ويكتسب انضباطًا وقيمًا ومعرفة دينية واجتماعية، لكنه لا يحصل بالضرورة على الرياضيات والعلوم واللغات والمهارات الأخرى بالمستوى الذي يتيحه التعليم الرسمي، ولا يحصل دائمًا على شهادة تسمح له بالانتقال بسهولة إلى بقية المسارات.
وتظهر في تشاد محاولات فعلية لبناء جسر بين هذين العالمين؛ فقد دعمت اليونيسف مدارس قرآنية مطورة تجمع بين التعليم القرآني ومناهج أكثر تنظيمًا تشمل القراءة والرياضيات والعلوم، بهدف مساعدة أطفال وشباب لم يكونوا ملتحقين بالتعليم الرسمي على الانتقال إلى مسارات أوسع دون إلغاء البيئة التعليمية المحلية بالكامل. (unicef.org)
وهذه التجربة جعلتني أفكر في السؤال بصورة مختلفة. ربما لا يكون الحل دائمًا أن نقول لمجتمع ما: كل ما لديكم قديم، اتركوه واتبعوا نموذجنا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نقول إن احترام الثقافة يعني أن نترك طفلًا محرومًا من أدوات أساسية يحتاجها في العالم الحديث.
ربما الحل الأفضل هو الجسر بدل الاستبدال.
نعترف بما تعلّمه الطفل فعلًا، ونحترم لغته وثقافته وبيئته، ثم نضيف إليه ما يحتاجه من علوم وحساب ولغات ومهارات رقمية، ونفتح له طريقًا يستطيع من خلاله مواصلة التعليم والحصول على اعتراف رسمي بما تعلمه.
ومن يحدد ما يجب أن نتعلمه؟
وهنا تصبح القضية أعمق من المدرسة. فكل مجتمع، في كل مرحلة من تاريخه، كانت لديه أفكار عن المعرفة التي يعتبرها مهمة، والمعرفة التي يراها غير ضرورية أو حتى خطرة.
ولا أعتقد أن المسألة البسيطة هي أن الدين كان ضد العلم أو أن الحداثة وحدها جاءت بالتعليم. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
مؤسسات دينية عديدة لعبت أدوارًا مهمة في حفظ الكتب والتعليم، وفي الوقت نفسه شهدت مجتمعات مختلفة صراعات حول الأفكار المسموح بتدريسها أو تداولها.
وفي التصور الإسلامي تحمل بداية الوحي دلالة لافتة بالنسبة لموضوعنا؛ فأول الآيات التي نزلت تبدأ بـ «اقرأ»، وتربط القراءة بالقلم والتعليم: «الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم». (quran.com)
لكن وجود قيمة دينية أو ثقافية للعلم لا يعني أن كل مجتمع يطبق هذه القيمة بالصورة نفسها.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
من يحدد ما الذي ينبغي للإنسان أن يتعلمه؟
الأسرة؟ المجتمع؟ الدولة؟ الدين؟ سوق العمل؟ أم الإنسان نفسه؟
ربما لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل زمان ومكان، لكن من الواضح أن التعليم لم يكن يومًا مجرد نقل معلومات. إنه دائمًا يعكس أيضًا ما يراه المجتمع مهمًا لبناء الإنسان الذي يريده.
هنا بدأ الفرق بين التعليم والتعلّم يصبح أوضح
ربما كان الإنسان يتعلّم منذ أن وُجد، لكن مع ظهور المدرسة والمنهج والامتحان والشهادة أصبح من المهم أن نفرق بين مفهومين نستخدمهما أحيانًا وكأنهما شيء واحد.
التعليم هو ما يقدمه النظام: مدرسة، معلم، منهج، كتاب، تدريب، امتحان، شهادة. أما التعلّم فهو ما يحدث داخل الإنسان فعلًا: ما الذي فهمه؟ ما الذي تغير في طريقة تفكيره؟ ماذا أصبح يستطيع أن يفعل؟ هل يستطيع أن يستخدم ما عرفه؟
وقد يحدث التعليم من دون تعلّم كافٍ، وقد يحدث تعلّم عميق خارج التعليم الرسمي. لكن هذا لا يعني أن أحدهما يغني عن الآخر.
فالطفل الذي يتعلم حرفة ممتازة قد يظل بحاجة إلى القراءة والحساب والمعرفة العامة التي توسع فرصه وتحميه في حياته، والطالب الذي يحصل على تعليم أكاديمي جيد يحتاج هو الآخر إلى مهارات عملية وتجارب حقيقية حتى تتحول المعرفة إلى قدرة.
ولهذا لا أرى أن السؤال هو: المدرسة أم الحياة؟
بل:
كيف نجعل المدرسة أقرب إلى الحياة، وكيف نعترف بالتعلّم الذي يحدث خارجها؟
هل الشهادة هي النهاية؟
مع توسع التعليم النظامي أصبحت الشهادة وسيلة مهمة جدًا. هي تساعد الجامعات وأصحاب العمل والمجتمع على معرفة أن شخصًا أكمل مستوى معينًا من الدراسة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهادة هي الهدف النهائي، أو عندما نعتبر أن من لا يملكها لا يملك المعرفة.
ربما يجب أن نسأل الإنسان إلى جانب «ما شهادتك؟»:
ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ وكيف تستطيع أن تثبت ذلك؟
وأعتقد أن مستقبل التعليم سيجعل هذا السؤال أكثر أهمية.
فمع التعلم الإلكتروني، والدورات القصيرة، والتدريب المهني، والعمل، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، سيصبح من الصعب أكثر فأكثر حصر المعرفة داخل شهادة واحدة حصل عليها الإنسان في مرحلة محددة من حياته.
وربما يصبح علينا أن ننتقل تدريجيًا من قياس التعليم بعدد السنوات التي قضاها الإنسان في المؤسسة إلى قياس أكبر لما حققه من معرفة ومهارات وكفاءات حقيقية.
وهنا نعود إلى البداية.
لقد كان تحويل التعليم الأساسي إلى حق وإلزام إنجازًا مهمًا؛ لأنه حاول أن يمنع أن يكون مستقبل الطفل متوقفًا فقط على قرار أسرته أو ظروفها أو مكان ولادته.
لكن النجاح في إدخال الطفل إلى المدرسة ليس نهاية الرحلة.
فوجود الطفل داخل الفصل لا يضمن وحده حدوث التعلّم، وهي مشكلة ما زالت واضحة عالميًا حتى اليوم؛ فزيادة الالتحاق بالتعليم لم تُلغِ الفجوات الكبيرة في نتائج التعلّم الأساسية. (ourworldindata.org)
وربما كان التحدي في مرحلة سابقة هو: كيف نجعل كل طفل يدخل التعليم؟
أما التحدي الذي أراه أمامنا اليوم فهو:
كيف نجعل التعليم قادرًا على رؤية كل طفل كما هو، والاعتراف بما يتعلّمه فعلًا، ومساعدته على تطوير ما يستطيع أن يصبح عليه؟
فالهدف في النهاية ليس أن نقضي عددًا معينًا من السنوات داخل المدرسة.
الهدف أن نتعلّم.
لكن عندما قرر المجتمع أن يجعل التعليم متاحًا لأعداد ضخمة من البشر، ظهر تحدٍ آخر: كيف نجمع كل هؤلاء المتعلمين؟ كيف نقسمهم إلى مراحل؟ كيف ننظم وقتهم؟ ومن يحدد المنهج والامتحان والانتقال من سنة إلى أخرى؟
وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:
كيف تشكّلت المدرسة التي نعرفها اليوم؟
