AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (7): عندما أصبح للتعليم مكان ونظام… كيف تشكّلت المدرسة التي نعرفها اليوم؟

لم تبدأ المدرسة بالفصل والمنهج والامتحان كما نعرفها اليوم. بدأت عملية التعلّم حول الإنسان وأسرته ومعلمه وما يحتاج إلى معرفته، ثم أضاف تطور المجتمعات المدرسة والمناهج والمراحل وطرق التدريس والتقييم والشهادة. رحلة لفهم كيف تشكّلت منظومة التعليم، ولماذا أصبحت عملية التعلّم جزءًا من نظام أكبر ينظم أدوار المتعلم والأسرة والمعلم والمدرسة.

تطور منظومة التعليم من الأسرة والمعلم والكتاب إلى المدرسة الحديثة والمنهج والتقييم والشهادة – هشام خلف الله

في المقال السابق فرّقنا بين التعليم والتعلّم. رأينا أن الإنسان يستطيع أن يتعلم من الحياة والعمل والحرفة والخبرة، وأن وجود شهادة أو سنوات من الدراسة لا يعبّر وحده عن كل ما يعرفه الإنسان أو يستطيع أن يفعله.

لكن عندما قررت المجتمعات أن التعليم يجب أن يصل إلى أعداد أكبر من الناس، ظهر تحدٍ مختلف:

كيف ننظم عملية التعلّم نفسها؟

كيف نجمع المتعلمين؟ ومن يعلمهم؟ وماذا يتعلمون؟ وفي أي عمر؟ ومن يحدد المحتوى؟ وكيف نعرف أنهم تعلموا بالفعل؟

ومن هنا بدأت المدرسة تتطور، ومعها بدأت تتشكل تدريجيًا منظومة التعليم والتعلّم التي نعرفها اليوم.

قبل أن توجد المدرسة… كانت هناك منظومة أبسط

إذا عدنا إلى بداية رحلتنا، سنجد أن عملية التعلّم كانت تقوم في أبسط صورها حول عدد قليل من العناصر.

في المركز كان هناك المتعلم؛ الطفل أو الإنسان الذي يريد أو يحتاج إلى اكتساب معرفة أو مهارة.

وحوله كانت الأسرة والبيئة الاجتماعية. فمنها يتعلم اللغة والسلوك والقيم، ومنها يبدأ الفضول أو ربما يتراجع، وهي التي تشكل جانبًا كبيرًا من علاقته الأولى بالمعرفة.

ثم هناك المعلم أو الموجّه أو صاحب الخبرة. ولم يكن بالضرورة معلمًا بالمعنى المهني الحديث؛ قد يكون الأب أو الأم أو الحرفي أو العالم أو الشيخ أو شخصًا سبق المتعلم في تجربة معينة.

وأخيرًا هناك ما نريد أن يتعلمه الإنسان: الصيد أو الزراعة أو اللغة أو الحساب أو الدين أو الحرفة أو غيرها من المعارف.

يمكن أن نختصر النواة الأولى هكذا:

متعلم + أسرة وبيئة + موجّه + معرفة.

هذه العناصر لم تختفِ حتى اليوم.

لكن الذي حدث هو أن المجتمع بدأ يضيف حولها طبقات جديدة من التنظيم.

عندما أصبح للتعليم مكان

عبر الحضارات تعلّم الإنسان في البيت، والعمل، وورش الحرف، ودور العبادة، وحلقات العلم، ومؤسسات مختلفة أنشأتها المجتمعات لتعليم أبنائها.

وفي المجتمعات العربية والإسلامية عُرفت الكتاتيب وحلقات العلم والمساجد والمدارس، بينما عرفت حضارات أخرى نماذج مرتبطة بالمعابد أو الأديرة أو الدولة أو المهن.

لم يكن شكل التعليم واحدًا، لكن الحاجة كانت متشابهة: وجود مكان ووقت وعلاقة منظمة تساعد المتعلم على اكتساب المعرفة.

ومع زيادة أعداد المتعلمين أصبح التنظيم أكثر ضرورة.

إذا كنت تعلم طفلًا أو اثنين، تستطيع أن تراعي كل واحد بصورة مباشرة. لكن عندما تريد تعليم مئات الآلاف ثم ملايين الأطفال، فإنك تحتاج إلى مدرسة، ومعلمين، وكتب، وأوقات، ومراحل ونظام يمكن تكراره.

وهنا لم تعد المدرسة مجرد مكان للتعلّم.

بدأت تصبح مؤسسة تدير عملية التعليم.

عندما دخل «النظام» إلى منظومة التعليم

وهنا حدث تحول أراه شديد الأهمية.

في النموذج البسيط قد يحدد المعلم بنفسه ما الذي يحتاج المتعلم إلى معرفته، وبأي ترتيب، ومتى ينتقل إلى موضوع آخر.

لكن عندما أصبح التعليم مسؤولية مجتمع أو دولة كاملة، لم يعد من الممكن أن يقرر كل معلم بمفرده ماذا سيتعلم كل طفل.

ظهر عنصر جديد:

النظام التعليمي.

وأصبح هناك منهج أو إطار عام يحدد ما يتعلمه الطالب، ومراحل تحدد ترتيب المعرفة، وجداول تنظم الوقت، وطرق تدريس، ونظام للتقييم، وشهادات تثبت اجتياز مستوى معين.

وهكذا اتسعت منظومة التعليم.

لم يعد لدينا فقط متعلم وأسرة ومعلم ومعرفة، بل أصبح لدينا أيضًا:

مدرسة، منهج، طريقة تدريس، تقييم، شهادة، وإطار تنظيمي يربط كل هذه العناصر.

وهنا تصبح نقطة مهمة جدًا:

منظومة التعليم لم تظهر كاملة مرة واحدة؛ كل مرحلة أضافت عنصرًا جديدًا لمعالجة مشكلة ظهرت مع توسع التعليم.

لماذا تختلف الأنظمة التعليمية إذا كانت العلوم واحدة؟

وهنا يظهر سؤال مثير.

الرياضيات لا تتحول إلى علم مختلف إذا درست في نظام بريطاني أو أمريكي أو فرنسي.

والقوانين الأساسية في الفيزياء أو الكيمياء لا تتغير بسبب الدولة التي يعيش فيها الطالب.

إذن لماذا تختلف الأنظمة التعليمية؟

لأن الاختلاف ليس دائمًا في العلم نفسه، بل في الطريقة التي ينظم بها المجتمع رحلة المتعلم مع هذا العلم.

قد يختلف توقيت تدريس موضوع معين، وترتيب المحتوى، ومدى التركيز على المشروعات أو الامتحانات، وطريقة تقييم الطالب، ومدة المراحل الدراسية، ودور المعلم، ونوع الشهادة.

وهذا يوضح فرقًا مهمًا:

ماذا نتعلم؟ هو سؤال عن المعرفة والمنهج.

كيف نتعلم؟ هو سؤال عن طريقة التدريس وتجربة التعلم.

كيف نعرف أننا تعلمنا؟ هو سؤال عن التقييم.

وكيف يعترف المجتمع بما تعلمناه؟ هو سؤال عن الشهادة والاعتماد.

ولهذا لا يكفي أن نقول إن دولة ما تدرّس الرياضيات أو العلوم.

الأهم أيضًا هو كيف صممت تجربة تعلم هذه العلوم.

عندما أصبح العمر والمراحل وسيلة لتنظيم المتعلمين

من الأشياء التي نعتبرها طبيعية اليوم أن نقول: هذا الطفل في الصف الثالث، والآخر في الصف السادس.

لكن تقسيم المتعلمين حسب العمر والمراحل هو أيضًا أداة تنظيمية.

فهو يساعد على التخطيط للمناهج والكتب والمعلمين وتوزيع الطلاب.

لكن الأطفال المتقاربين في العمر ليسوا نسخًا متطابقة.

قد يكون طفل متقدمًا في الرياضيات ويحتاج إلى دعم في اللغة. وقد يتعلم آخر القراءة بسرعة بينما يحتاج زميله إلى وقت أطول.

وقد يكون طفل متوسطًا في التحصيل الأكاديمي لكنه يمتلك قدرة لافتة في الرسم أو الحركة أو حل المشكلات أو التعامل مع الأشياء بيده.

وهنا تبدأ المشكلة عندما يتحول الحل التنظيمي إلى افتراض عن طبيعة الإنسان.

تشابه العمر لا يعني تشابه القدرة، ووجود الطلاب في الفصل نفسه لا يعني أنهم يتعلّمون بالطريقة نفسها.

النظام يحتاج إلى قواعد حتى يستطيع خدمة أعداد كبيرة، لكن المتعلم يظل فردًا له سرعته واستعداداته وخبراته الخاصة.

المنهج… من يحدد ما يجب أن يعرفه الجميع؟

مع اتساع التعليم أصبح من الضروري وجود قدر مشترك من المعرفة.

اللغة، والحساب، والعلوم، والتاريخ، والجغرافيا وغيرها من المجالات التي يعتبرها المجتمع ضرورية.

وهذا حقق شيئًا مهمًا جدًا: لم يعد تعليم الطفل يعتمد بالكامل على ما تستطيع أسرته أو بيئته المحلية توفيره.

لكن المنهج نفسه هو نتيجة اختيارات.

فالمعرفة الإنسانية أكبر بكثير من الوقت الذي يمكن للطالب أن يقضيه داخل المدرسة.

لذلك يجب أن يقرر شخص ما: ماذا نعلّم؟ وبأي ترتيب؟ وفي أي عمر؟ وما الذي نعتبره أساسيًا؟

وهنا يصبح المنهج انعكاسًا ليس فقط للعلم، بل أيضًا لثقافة المجتمع وأولوياته واحتياجاته ورؤيته للمستقبل.

ولهذا تختلف المناهج وتتغير عندما تتغير المجتمعات.

ويظهر أمامنا سؤال سيصبح أكثر أهمية مع تقدم السلسلة:

ماذا يحدث عندما يتغير العالم أسرع من المنهج؟

طريقة التدريس… المحتوى نفسه قد يصنع تجربتين مختلفتين

وجود منهج واحد لا يعني بالضرورة وجود تجربة تعلم واحدة.

يمكن لمعلم أن يقدم الموضوع في صورة محاضرة، وآخر في صورة حوار، وثالث من خلال تجربة أو مشروع أو مشكلة يحاول الطلاب حلها.

وهنا نكتشف أن التعليم لم يعد فقط سؤالًا عن المحتوى، بل عن تصميم تجربة التعلّم.

فقد يكون المحتوى نفسه، لكن الطريقة التي يصل بها إلى المتعلم تغير درجة الفهم والاهتمام والمشاركة.

وهذا سيكون مهمًا جدًا في مقالاتنا القادمة عندما تدخل أدوات وأساليب جديدة إلى منظومة التعليم، لأن كل تطور جديد لن يغير فقط مصدر المعرفة، بل قد يغير الطريقة التي يعيش بها المتعلم تجربة التعلّم نفسها.

التقييم… كيف نعرف أن التعلّم حدث؟

مع تعليم أعداد كبيرة أصبح من الضروري معرفة هل حقق الطالب المستوى المطلوب أم لا.

ومن هنا أصبح التقييم والامتحان جزءًا أساسيًا من المنظومة.

الاختبار يساعد في الإجابة عن أسئلة عملية: هل فهم الطالب؟ هل ينتقل إلى المرحلة التالية؟ وهل حقق المعايير المطلوبة؟

لكن الخطر يبدأ عندما يصبح قياس التعلّم هو هدف التعلّم.

فيتعلم الطالب لما سيأتي في الامتحان، ويشرح المعلم ما سيتم قياسه، وتتحول الدرجة إلى الرقم الذي نختصر فيه رحلة طويلة من المعرفة والخبرة.

وهنا علينا أن نتذكر:

الاختبار أداة لقياس جزء من التعلّم، وليس التعلّم كله.

والطريقة التي نختار بها التقييم قد تؤثر أصلًا في طريقة التدريس وفي سلوك المتعلم.

ولهذا نجد أن اختلاف أنظمة التقييم بين النظم التعليمية يمكن أن يصنع تجارب تعليمية مختلفة حتى عندما يكون جزء كبير من المحتوى العلمي متشابهًا.

وأين أصبحت الأسرة؟

مع توسع المدرسة قد يبدو أحيانًا أن التعليم انتقل من الأسرة إلى المؤسسة.

لكنني لا أعتقد أن دور الأسرة اختفى.

الطفل قد يقضي عدة ساعات يوميًا في المدرسة، لكن بيئته الأسرية تظل تؤثر في علاقته بالتعلم، وفي القراءة، والانضباط، والثقة، والطموح، والصورة التي يحملها عن المدرسة والمعلم والمعرفة.

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في منظومة التعليم:

لا يمكن أن نطلب من المدرسة وحدها أن تعالج كل ما يحدث حول المتعلم.

فالأسرة ليست عنصرًا خارجيًا عن التعليم.

والمعلم ليس المنظومة وحده.

والمنهج وحده لا يصنع التعلم.

وأي أداة جديدة نضيفها إلى التعليم لن تستطيع وحدها أن تفعل ذلك.

جودة التعليم هي نتيجة العلاقة بين عناصر المنظومة كلها حول المتعلم.

المتعلم في المركز… أم في نهاية سلسلة من الإجراءات؟

وهنا نصل إلى أهم سؤال.

لقد أنشأنا المدرسة والمنهج والمراحل والجداول والامتحانات والشهادات لكي نخدم عملية التعلم.

لكن مع اتساع الأنظمة قد يحدث شيء غريب:

أن تصبح المحافظة على النظام أهم من الإنسان الذي أنشئ النظام من أجله.

فنصبح منشغلين بإنهاء المنهج، والحضور، والدرجات، والتقارير، والانتقال من سنة إلى أخرى، وننسى السؤال الأبسط:

هل يتعلم هذا الطالب فعلًا؟

ولهذا أرى أن علينا أن نضع المتعلم في مكانه الصحيح داخل المنظومة.

المتعلم ليس مجرد عنصر داخل منظومة التعليم؛ هو السبب الذي يجب أن تُبنى المنظومة كلها من أجله.

الأسرة تدعمه.

المعلم يوجهه.

المنهج يقدم له المعرفة.

المدرسة توفر البيئة.

طريقة التدريس تصمم التجربة.

والتقييم يحاول أن يعرف ما تحقق.

والنظام كله يجب في النهاية أن يخدم عملية التعلّم التي تحدث داخله هو.

لكن من يقود هذه المنظومة؟

هنا قد يبدو أن الصورة أصبحت مكتملة.

لدينا متعلم، وأسرة، ومعلم، ومنهج، ومدرسة، وطريقة تدريس، وتقييم وشهادة.

لكن بقي سؤال أكبر.

من قرر أصلًا كيف تعمل كل هذه العناصر معًا؟

المعلم يقود العملية داخل الفصل، لكنه في أغلب الأنظمة لا يقرر وحده ما الذي سيدرسه الطالب، ولا عدد سنوات التعليم، ولا شكل المراحل، ولا نظام الامتحانات، ولا نوع الشهادة التي يحصل عليها المتعلم.

حتى المدرسة نفسها تعمل داخل إطار أكبر منها.

هناك من يقرر ما الذي يجب أن يتعلمه الطفل في كل مرحلة، وما الذي يعتبر تعليمًا أساسيًا، وما الذي يصبح تعليمًا عامًا أو فنيًا أو مهنيًا، وكيف يُعد المعلم، وكيف تُقاس جودة المدرسة، وكيف ينتقل الطالب من مسار إلى آخر.

وهنا نكتشف أن منظومة التعليم تحتوي على عنصر آخر ربما لا يراه الطالب داخل الفصل، لكنه يؤثر في كل ما يحدث حوله:

الرؤية والسياسة والتخطيط التعليمي.

فوراء كل منهج توجد قرارات.

ووراء كل مرحلة دراسية توجد فلسفة للتعليم.

ووراء كل طريقة للتقييم تصور معين لما نعتبره نجاحًا.

ووراء تقسيم التعليم إلى مسارات مختلفة رؤية لما يحتاجه المجتمع واقتصاده ومستقبله.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة.

إذا كانت دول كثيرة تدرّس العلوم والرياضيات واللغات نفسها تقريبًا، وتمتلك مدارس ومعلمين ومناهج واختبارات، فلماذا تختلف نتائج التعليم بينها إلى هذه الدرجة؟

لماذا استطاعت بعض المجتمعات أن تجعل التعليم جزءًا أساسيًا من تقدمها العلمي والاقتصادي والاجتماعي، بينما تمتلك مجتمعات أخرى أنظمة تعليمية ضخمة دون أن تحقق النتائج نفسها؟

هل المسألة في حجم الإنفاق؟

أم في المعلم؟

أم المنهج؟

أم طريقة التقييم؟

أم في العلاقة بين التعليم وسوق العمل؟

أم أن الفرق الحقيقي يبدأ قبل ذلك كله، من الرؤية التي تحدد أصلًا لماذا نعلّم، وماذا نريد أن يصبح عليه الإنسان بعد سنوات من التعليم؟

ربما يكون المنهج هو ما نضعه أمام الطالب ليتعلمه.

لكن وراء المنهج سؤال أكبر:

أي إنسان نريد أن نصنع من خلال التعليم؟

وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم».

بعد أن عرفنا كيف تشكّلت منظومة التعليم، علينا أن نصعد خطوة إلى الأعلى ونسأل:

من يضع المناهج؟ ومن يرسم طريق التعليم؟ ولماذا تنجح بعض المنظومات في بناء أجيال قادرة على الإبداع والتقدم أكثر من غيرها؟

وهذا سيكون موضوع المقال الثامن:

الإنسان يتعلّم (8): من يقرر ماذا نتعلّم؟… عندما أصبحت للتعليم رؤية وسياسة وخطة

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (7): عندما أصبح للتعليم مكان ونظام… كيف تشكّلت المدرسة التي نعرفها اليوم؟. Hesham Khalafallah.