AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (14): عندما أصبح بإمكانك أن تتعلّم من جامعات وشركات عالمية… هل تغيّرت قيمة الشهادة؟

بينما كانت المدارس والجامعات تحاول التكيف مع التحول الرقمي، ظهر خارجها مسار جديد للتعلّم. منصات عالمية، أكاديميات للشركات، دورات متخصصة، وشهادات مهنية ومسارات قصيرة أصبح الإنسان يستطيع الوصول إليها من أي مكان وفي أي مرحلة من عمره. ومع هذا التحول، لم تعد الشهادة الأكاديمية وحدها هي السؤال؛ ظهر إلى جانبها سؤال آخر أكثر مباشرة: ماذا تعرف؟ وماذا تستطيع أن تفعل بما تعلمته؟

التعلّم من الجامعات والمنصات والشركات العالمية والحصول على شهادات مهنية وتنمية المهارات مدى الحياة – هشام خلف الله

بينما كانت المدرسة تتغير ببطء… ظهر طريق آخر للتعلّم

في المقال السابق وصلنا إلى مفارقة مهمة.

دخلت التكنولوجيا إلى المدارس، وظهرت المنصات والأجهزة والكتب الرقمية، لكن كثيرًا من المؤسسات التعليمية ظل يتحرك ببطء، لأن تغيير منظومة كاملة أصعب بكثير من شراء جهاز أو تشغيل منصة.

لكن الإنترنت لم ينتظر المدرسة حتى تنتهي من تحولها.

خارج أسوار المؤسسات التعليمية كان شيء آخر يتشكل.

بدأ الإنسان يستطيع أن يدخل إلى منصة، ويختار موضوعًا، ويتعلم من جامعة تقع في دولة أخرى، أو من خبير، أو من شركة تعمل أصلًا في المجال الذي يريد أن يتخصص فيه.

ولم يعد هذا التعلم بالضرورة مجرد فيديو يشاهده ثم يغادر. بدأت تظهر دورات منظمة، ومسارات متدرجة، واختبارات، ومشروعات، وشهادات، وبرامج مهنية كاملة.

وهكذا بدأ يتكون بجانب التعليم النظامي مسار آخر للتعلّم المنظم.

لم يكن مدرسة بالمعنى التقليدي. ولم يكن جامعة بالضرورة. لكنه لم يكن أيضًا بحثًا عشوائيًا في الإنترنت.

كان شيئًا بين هذه العوالم.

التكنولوجيا لم تلغِ التعليم النظامي، لكنها كسرت احتكاره لمسار التعلّم المنظم.

من أين تتعلّم؟ لم تعد الإجابة مكانًا واحدًا

لفترة طويلة كان الطريق واضحًا نسبيًا.

إذا أردت دراسة الهندسة، تذهب إلى كلية هندسة. إذا أردت تخصصًا مهنيًا، تبحث عن معهد أو مركز تدريب. وإذا أردت شهادة، فيجب غالبًا أن تكون مسجلًا داخل مؤسسة لها مكان وجدول ونظام قبول.

لكن الإنترنت بدأ يفصل بين مكان المؤسسة ومكان المتعلم.

ثم جاءت منصات مثل Coursera وغيرها، فأصبح بإمكان شخص يعيش في القاهرة أو الرياض أو الدار البيضاء أو أي مدينة أخرى أن يدخل إلى برنامج تقدمه جامعة أو مؤسسة موجودة في دولة أخرى.

وفي الوقت نفسه، بدأت شركات التكنولوجيا نفسها تبني أكاديميات ومسارات تدريبية.

شركة مثل Cisco، على سبيل المثال، لم تعد تنتظر الجامعات وحدها لكي تعد الكفاءات التي تحتاجها صناعة الشبكات والأمن السيبراني. أصبح لديها Cisco Networking Academy، التي تقول الشركة إنها وصلت منذ إطلاقها عام 1997 إلى أكثر من 33 مليون متعلم في 195 دولة من خلال آلاف المؤسسات والمدربين. (netacad.com)

وهنا تغير شيء مهم جدًا في منظومة التعليم.

لم تعد المؤسسة التعليمية التقليدية هي الجهة الوحيدة التي تستطيع تصميم مسار تعلم منظم.

دخلت الصناعة نفسها إلى المشهد.

عندما أصبحت الشركة التي تصنع التكنولوجيا تعلّمك كيف تعمل بها

هذه النقطة أراها شديدة الأهمية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا.

فالتطور التقني سريع. لغة برمجة تتطور. منصة سحابية تتغير. أداة جديدة تظهر. ومجال كامل مثل الذكاء الاصطناعي قد يتغير خلال فترة أقصر من دورة تحديث بعض البرامج الأكاديمية.

وهنا ظهرت حاجة عملية:

كيف يستطيع الإنسان أن يتعلم مهارة جديدة دون أن يعود كل مرة إلى دراسة برنامج جامعي كامل؟

بدأت الشركات نفسها تقدم مسارات تعليمية مرتبطة بمجالاتها وتقنياتها.

شبكات. أمن سيبراني. حوسبة سحابية. بيانات. برمجة. ذكاء اصطناعي.

وهنا أضيف إلى منظومة التعليم عنصرًا جديدًا:

سوق العمل والصناعة لم يعودا فقط يستقبلان خريجي التعليم؛ بل أصبحا أيضًا يشاركان في إنتاج التعلّم نفسه.

وهذه نقلة مهمة.

لأن المسافة بين ما تتعلمه وما تستخدمه في العمل بدأت تقل في بعض المجالات.

من «أدرس ثم أعمل»… إلى «أعمل وأتعلم باستمرار»

النموذج الذي اعتاد عليه كثير منا كان يبدو تقريبًا هكذا:

أذهب إلى المدرسة → أدخل الجامعة → أحصل على الشهادة → أبدأ العمل.

وكأن مرحلة التعليم تنتهي تقريبًا عندما تبدأ الحياة المهنية.

لكن ماذا يحدث عندما تتغير المهنة نفسها كل عدة سنوات؟

ماذا يفعل مبرمج تعلم تقنية ثم ظهرت أخرى؟ أو مهندس يحتاج إلى أدوات تحليل جديدة؟ أو موظف أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من عمله؟ أو شخص يريد تغيير مهنته بالكامل؟

هنا لم يعد التعلم مرحلة تمهيدية للحياة.

بدأ يصبح جزءًا من الحياة المهنية نفسها.

وتؤكد تقارير سوق العمل الحديثة استمرار نمو أهمية المهارات التقنية، إلى جانب مهارات مثل المرونة والقدرة على التعلم والتكيف، مع التحولات المتسارعة في الوظائف والتكنولوجيا. (weforum.org)

ومن هنا تصبح فكرة التعلّم مدى الحياة أكثر من عبارة جميلة.

لم تعد مرحلة التعليم تنتهي عندما تبدأ مرحلة العمل؛ أصبح العمل نفسه سببًا لاستمرار التعلّم.

وقد يعود الإنسان إلى دور «المتعلم» عشرات المرات خلال حياته.

المتعلم هو الذي بدأ يقرر

وهنا حدث تحول آخر أراه مهمًا.

في التعليم النظامي، هناك شخص أو مؤسسة يقرر لك إلى حد كبير: ماذا ستتعلم؟ ومتى؟ وبأي ترتيب؟ وما المواد المطلوبة؟

أما في المنصات الرقمية، فقد أصبح للمتعلم مساحة أكبر في اتخاذ القرار.

يمكنني أن أقول: أريد أن أتعلم تحليل البيانات. أو إدارة المشروعات. أو الأمن السيبراني.

أريد دورة قصيرة. أو مسارًا كاملًا.

أريد أن أتعلم ساعتين في الأسبوع. أو أن أنتهي خلال شهرين.

وقد أتوقف ثم أعود.

وهنا أصبح التعلّم الذاتي أكثر تنظيمًا.

فالتعلم الذاتي لم يعد بالضرورة أن أجلس وحدي أمام كتاب وأحاول فهمه.

قد أدخل إلى برنامج مصمم، به فيديوهات وتمارين واختبارات ومشروعات ومنتديات وشهادة في النهاية، لكنني أنا من قرر أن يبدأ الرحلة وأن يستمر فيها.

انتقل جزء من قرار ماذا نتعلّم ومتى نتعلّمه من المؤسسة إلى المتعلم نفسه.

وهذا يمنح الإنسان حرية كبيرة.

لكنه، مرة أخرى، يضع عليه مسؤولية أكبر.

الحرية نفسها تحتاج إلى قدرة على الاستمرار

في الجامعة هناك جدول. ومحاضرات. وحضور. وامتحان في موعد محدد. ومجموعة طلاب تسير معًا.

أما على المنصة، فقد يكون زر «ابدأ» سهلًا جدًا.

لكن الاستمرار أصعب.

لا أحد يجبرك دائمًا على فتح الدرس التالي. ويمكنك تأجيل المهمة. ثم تأجيلها مرة أخرى.

وهنا يظهر جانب مهم من التعلّم الذاتي:

الدافعية والانضباط وإدارة الوقت.

المنصة تستطيع أن تفتح لك الباب.

لكنها لا تستطيع دائمًا أن تجعلك تكمل الطريق.

ولهذا فإتاحة ملايين الدورات لا تعني أن ملايين الأشخاص سيكملون تعلمًا عميقًا.

مرة أخرى:

الوصول إلى فرصة التعلّم لا يعني بالضرورة الاستفادة منها.

وهي القاعدة نفسها التي ظهرت معنا عند الحديث عن الإنترنت.

من البرنامج الطويل… إلى المهارة المحددة

ثم ظهر تحول آخر.

إذا كنت أحتاج إلى مهارة محددة، هل يجب دائمًا أن أدخل برنامجًا يمتد سنوات؟

أحيانًا نعم.

لكن ليس دائمًا.

وهنا انتشرت الدورات القصيرة والشهادات المهنية والمسارات المتخصصة وما يعرف بـ Micro-credentials.

وتصف OECD هذه الشهادات المصغرة بأنها أنشطة تعلم قصيرة ومحددة الهدف يمكن أن تساعد الأشخاص على إعادة التأهيل أو تطوير مهاراتهم بصورة أسرع وأكثر مرونة. (oecd.org)

وهذا مهم جدًا للإنسان الذي يعمل بالفعل.

قد لا يستطيع أن يترك عمله أربع سنوات. لكنه يستطيع أن يدرس بضعة أشهر. ويضيف مهارة جديدة. ثم يعود بعد عام ليتعلم شيئًا آخر.

وبدأنا نرى لغة جديدة تدخل عالم التعليم:

Upskilling — تطوير المهارات الموجودة.

وReskilling — اكتساب مهارات جديدة تسمح بالانتقال إلى دور أو مجال مختلف.

وهنا بدأ البرنامج التعليمي نفسه يصبح في بعض الحالات أصغر وأكثر مرونة وقابلية للتجميع.

وهل تغيّرت قيمة الشهادة الجامعية؟

هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا.

أحيانًا نسمع عبارة:

«الشهادة لم تعد مهمة، المهم المهارة.»

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

ما زالت الشهادة الجامعية شديدة الأهمية في مجالات كثيرة. وبعض المهن لا يمكن أصلًا ممارستها من دون دراسة واعتماد رسمي.

كما أن التعليم الجامعي لا يقدم مهارة واحدة فقط؛ بل قد يقدم أساسًا علميًا ومنهجيًا وتجربة اجتماعية وبحثية ومهنية أوسع بكثير من دورة قصيرة.

لكن ما تغير هو أن الشهادة لم تعد في كل الحالات الدليل الوحيد على الكفاءة.

تقرير Future of Jobs 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي وجد أن 81% من أصحاب العمل المشاركين يتوقعون الاستمرار في الاعتماد على الخبرة العملية عند تقييم المرشحين، و48% على اختبارات المهارات، بينما قال 43% إنهم يتوقعون الاستمرار في استخدام الشهادة الجامعية كمتطلب ضمن أساليب التقييم حتى 2030. (weforum.org)

إذن التحول ليس:

الشهادة اختفت.

بل:

لم تعد الشهادة الأكاديمية وحدها كافية دائمًا لإثبات الكفاءة، وأصبحت المهارة والخبرة وما يستطيع الإنسان فعله جزءًا أكبر من معادلة التوظيف.

ماذا تستطيع أن تفعل؟

وهنا تظهر فكرة Skills-first أو التركيز على المهارات.

الفكرة ببساطة أن ننظر إلى ما يحتاجه العمل من قدرات، ثم نقيم الشخص بناءً على امتلاكه لهذه القدرات بدرجة أكبر من اعتمادنا فقط على الطريق الذي اتبعه للحصول عليها.

وتوضح OECD أن النهج القائم على المهارات يركز على المهارات نفسها بدل التركيز فقط على الطريقة التي اكتسبت بها، وأنه يفتح الباب أمام مسارات تعلم وتوظيف أكثر تنوعًا، مع استمرار الحاجة إلى أنظمة موثوقة للتحقق من المهارات وضمان الجودة. (oecd.org)

وهنا تتغير طبيعة السؤال في سوق العمل.

من:

أين درست؟

إلى:

ماذا تعرف؟

ثم إلى السؤال الأهم:

ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرفه؟

ولا يعني ذلك أن السؤال الأول اختفى.

بل إن الأسئلة الثلاثة بدأت تعمل معًا.

الشهادة المهنية أصبحت لغة بين الصناعة والمتعلم

وهنا تظهر أهمية شهادات الشركات والمؤسسات المهنية.

في بعض المجالات التقنية، قد تعطي الشهادة المهنية لصاحب العمل إشارة أكثر تحديدًا عن معرفة المتقدم بأداة أو مجال معين.

لكنها أيضًا ليست كلها متساوية.

هناك فرق بين شهادة تتطلب تدريبًا واختبارًا جادًا وتطبيقًا عمليًا، وبين شهادة تعني ببساطة أنك شاهدت مجموعة فيديوهات وأكملت الدورة.

ولهذا يجب أن نفرق بين:

شهادة إكمال وشهادة تعلم وشهادة كفاءة مهنية.

وقد تبدو جميعها أمام المتعلم كلمة واحدة: «Certificate».

لكن قيمتها في الواقع قد تختلف بشدة.

وهنا يظهر سؤال جديد:

إذا أصبحت الشهادات سهلة الإصدار، فمن يضمن أن ما وراء الشهادة هو تعلّم حقيقي؟

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى فكرة الثقة والاعتماد التي ظهرت معنا في التعليم النظامي.

ليست كل الشهادات الرقمية متساوية في سوق العمل

وهنا يجب ألا نبالغ في التفاؤل.

رغم نمو التعلم عبر الإنترنت والشهادات المهنية، فإن سوق العمل لا يتعامل مع جميع هذه المؤهلات بالطريقة نفسها.

وفق Future of Jobs 2025، يتوقع 14% فقط من أصحاب العمل المشاركين إعطاء أولوية للشهادات الإلكترونية كإحدى وسائل تقييم المهارات، مقارنة بنسب أعلى بكثير للخبرة العملية واختبارات المهارات والشهادات الجامعية. (weforum.org)

وهذا يعني أن مجرد جمع عشرات الشهادات لا يصنع بالضرورة كفاءة أو وظيفة.

قد تكون الشهادة بداية جيدة.

لكن يجب أن يظهر أثر التعلم في شيء آخر: مشروع. منتج. خبرة. مشكلة استطعت حلها. قدرة تستطيع إثباتها.

ولهذا ربما تصبح المعادلة الأقوى:

الشهادة تقول إنك تعلمت شيئًا، أما الكفاءة فتظهر فيما تستطيع أن تفعله بهذا الشيء.

منصات التعلم فتحت فرصة حقيقية… لكن يجب أن نقرأ الأرقام بحذر

من المهم أيضًا أن نرى الجانب الإيجابي بصورة واقعية.

منصات مثل Coursera تشير إلى نتائج قوية بين مستخدميها.

في تقريرها لعام 2025، المبني على استطلاع أكثر من 52 ألف متعلم في 179 دولة، أفاد 84% بأنهم طوروا أو حسّنوا مهارات تقنية مهمة، وقال 91% إنهم حققوا نتيجة مهنية إيجابية واحدة على الأقل بعد تعلمهم عبر المنصة. (coursera.org)

وهذه أرقام لافتة، لكنها تعتمد على إجابات المتعلمين أنفسهم، ولذلك يجب فهمها باعتبارها نتائج ذاتية الإبلاغ وليست دليلًا على أن كل من يسجل في دورة سيحقق النتيجة نفسها.

لكنها في الوقت نفسه توضح شيئًا لا يمكن تجاهله:

التعلم عبر المنصات لم يعد ظاهرة هامشية.

لقد أصبح بالنسبة لملايين الأشخاص جزءًا حقيقيًا من تطويرهم المهني.

المسار الجديد لا يحتاج دائمًا إلى أن ينافس الجامعة

وأعتقد أن هنا يقع خطأ آخر في النقاش.

نسأل كثيرًا:

هل Coursera بديل للجامعة؟ هل شهادة الشركة بديل للشهادة الأكاديمية؟ هل التعلم الذاتي سيقضي على المؤسسات؟

ربما لا يكون هذا هو السؤال الصحيح.

يمكن لطالب الجامعة أن يتعلم من منصة في الوقت نفسه. ويمكن للمهندس صاحب الشهادة أن يحصل على شهادة مهنية جديدة. ويمكن للشركة أن تتعاون مع الجامعة. ويمكن للجامعة نفسها أن تقدم دورات قصيرة وشهادات مصغرة.

أي أن المسار الجديد لا يحتاج دائمًا إلى هدم المسار القديم.

قد يكمله.

وهنا نعود إلى فكرة رافقتنا طوال السلسلة:

التقنية الجديدة لا تلغي بالضرورة ما سبقها.

الكتابة لم تلغِ الحكاية. والكتاب لم يلغِ المعلم. والإنترنت لم يلغِ المدرسة.

وكذلك المنصات والشهادات المهنية لا تعني بالضرورة نهاية الجامعة.

بل قد تعني أننا ننتقل من مسار تعليمي واحد طويل إلى رحلة تعلم تتكون من مراحل ومسارات متعددة طوال الحياة.

من هو الطالب الآن؟

هذه، في رأيي، واحدة من أجمل نتائج هذا التحول.

عندما نقول كلمة «طالب»، ربما تتبادر إلى أذهاننا صورة طفل في المدرسة أو شاب في الجامعة.

لكن المتعلم اليوم قد يكون: موظفًا في الخامسة والأربعين يريد تعلم الذكاء الاصطناعي. مهندسًا يتعلم الأمن السيبراني. مديرًا يدرس تحليل البيانات. أمًا تعود إلى سوق العمل بعد سنوات. شابًا يغيّر مساره المهني بالكامل. أو طالبًا جامعيًا يحصل إلى جانب دراسته على شهادة مهنية من شركة عالمية.

وهنا يتغير معنى «المتعلم» نفسه.

لم يعد المتعلم مرحلة عمرية، بل أصبح دورًا يمكن للإنسان أن يعود إليه طوال حياته.

وربما هذه واحدة من أهم التحولات في تاريخ التعليم.

لأن التعلّم بدأ يتحرر ليس فقط من المكان والوقت…

بل حتى من العمر الذي كنا نربطه بالتعليم.

لكن هذه الحرية قد تصنع فجوة جديدة أيضًا

كما حدث في كل محطة من رحلتنا، الفرصة الجديدة تحمل معها تحديًا جديدًا.

من يعرف أن هذه المنصات موجودة؟ من يعرف أي برنامج يختار؟ من يتقن اللغة التي يقدم بها المحتوى؟ من لديه جهاز واتصال؟ من يستطيع دفع الرسوم؟ ومن يعرف كيف يبني مسارًا تعليميًا لنفسه؟

قد يكون أمام شخصين الإنترنت نفسه.

لكن أحدهما يعرف كيف يحوله إلى فرصة مهنية.

والآخر لا يعرف من أين يبدأ.

وهنا تظهر صورة جديدة من عدم المساواة.

ليست فقط:

هل لديك اتصال؟

بل:

هل تعرف كيف تحول الاتصال إلى فرصة تعلم؟

وهذا يجعل الإرشاد والتوجيه والمهارات الرقمية أكثر أهمية.

من يختار الطريق الآن؟

كان النظام التقليدي يرسم للطالب طريقًا واضحًا نسبيًا:

هذه السنة. ثم السنة التالية. ثم هذه المواد. ثم الامتحان. ثم الشهادة.

أما عالم التعلم المفتوح فيقدم آلاف الطرق.

وهذه قوة كبيرة.

لكنها قد تصبح أيضًا مصدرًا للحيرة.

أي دورة أفضل؟ أي شهادة أكثر قيمة؟ هل أتعلم البرمجة أم البيانات؟ هل هذه المهارة ستظل مطلوبة؟ هل أحتاج إلى دورة أم مشروع عملي؟

وهنا يظهر دور جديد قد يصبح مهمًا جدًا في المستقبل:

مساعدة الإنسان على تصميم رحلة تعلمه الشخصية.

فإذا أصبح المحتوى متاحًا، فقد تنتقل المشكلة من نقص المعرفة إلى اختيار الطريق المناسب وسط وفرة المعرفة والبرامج.

وهي فكرة تشبه كثيرًا ما حدث مع الإنترنت نفسه.

في البداية كانت المشكلة الوصول.

ثم أصبحت المشكلة الاختيار.

من المتعلم الذي يختار منصة… إلى المتعلم الذي يتعلم دون أن يقصد

حتى هذه اللحظة، ما زلنا نتحدث عن تعلم مقصود.

أدخل إلى Coursera لأنني أريد أن أتعلم. أدخل إلى أكاديمية مهنية لأنني أريد شهادة. أختار دورة. أسجل. أبدأ. أكمل.

أي أنني أعرف أنني دخلت إلى بيئة تعليمية.

لكن بينما كانت هذه المنصات تنمو، كان الإنترنت يمر بتحول آخر أكثر غرابة.

بدأ ملايين البشر يكتبون وينشرون ويصورون ويشرحون خبراتهم.

منتديات. مدونات. فيديوهات. ثم شبكات اجتماعية.

وفجأة يمكن أن أفتح هاتفي لكي أستريح…

فأشاهد شخصًا يشرح لي فكرة. ثم آخر يعلم مهارة. ثم تجربة شخص في دولة أخرى. ثم معلومة علمية. ثم رأيًا قد يبدو لي وكأنه حقيقة.

لم أذهب إلى منصة تعليمية.

لكنني تعلمت شيئًا.

أو على الأقل اعتقدت أنني تعلمت شيئًا.

وهنا يظهر سؤال جديد تمامًا.

إذا أصبح كل شخص قادرًا على أن يشرح وينشر، وإذا أصبح المتعلم يتلقى المعرفة حتى عندما لا يبحث عنها…

فمن الذي أصبح يعلّمنا؟

وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:

الإنسان يتعلّم (15): عندما أصبح الجميع ناشرين… كيف غيّرت الشبكات الاجتماعية طريقة تعلّمنا؟

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (14): عندما أصبح بإمكانك أن تتعلّم من جامعات وشركات عالمية… هل تغيّرت قيمة الشهادة؟. Hesham Khalafallah.