AR EN FR
عن هشام الخبرات خبرات عبر الحدود المشروعات ميتالايف ميتافيرس في الصحافة والإعلام من واقع التجربة معرض الصور اسأل هشام التواصل العضويات والمشاركات الكتابات الأدبية التدريب والتأهيل دراسات الجدوى والاستشارات دراسات السوق والإحصاء التعليم الإلكتروني والرقمي أبحاث الميتافيرس قاموس المصطلحات الأسئلة الشائعة

الإنسان يتعلّم (16): عندما أصبحت المعرفة في جيبنا… كيف غيّرت الأجهزة الذكية سلوك المتعلّم؟

لم ينتقل التعليم من الحاسوب المكتبي إلى الهاتف الذكي في خطوة واحدة. بينهما ظهرت الحواسيب المحمولة المخصصة للتعليم، وأجهزة مثل Intel Classmate PC، ثم الأجهزة اللوحية والـiPad، حتى أصبحت الشاشة الشخصية جزءًا من الحياة اليومية للمتعلم. ولم يتغير مكان التعلّم فقط؛ تغيّر سلوك المتعلم نفسه. أصبح يتوقع التفاعل، والوصول السريع، وإعادة الشرح، والتعلم في أي وقت، والتنقل بين مصادر متعددة. وفي المقابل، جاءت الإشعارات والفيديوهات القصيرة والـReels لتصنع عادات جديدة في استهلاك المحتوى والانتباه. فهل أصبح المتعلم أكثر استقلالًا، أم أكثر تشتتًا؟ وهل المشكلة في الجهاز، أم في الطريقة التي نتعلم بها استخدامه؟

تطور التعلم من معمل الحاسب إلى الهاتف والتابلت وتأثير الأجهزة الذكية والفيديوهات القصيرة في سلوك المتعلم – هشام خلف الله

عندما خرج الحاسوب من المعمل
في المقال السابق وصلنا إلى عالم أصبح فيه المتعلم يعيش بين منظومتين: تعليم منظم تقوده المدرسة، وتعلّم مفتوح يأتيه من الإنترنت والمجتمعات الرقمية والخوارزميات.
لكن بقي شيء مهم. في البداية كان الوصول إلى هذا العالم يحتاج إلى جهاز في مكان محدد.
أتذكر كيف كان الحاسوب في المدرسة مرتبطًا بمعمل الحاسب. نذهب إليه في وقت محدد، نجلس أمام الجهاز، ثم نغادر عندما تنتهي الحصة.
كان المتعلم هو الذي يذهب إلى التكنولوجيا. لكن مع تطور الحواسيب المحمولة، بدأت العلاقة تتغير.
ظهرت محاولات لتصميم أجهزة خصيصًا للطلاب، ومن الأمثلة المهمة Intel Classmate PC الذي بدأ شحنه في عدد من الأسواق الناشئة في 2007 كحاسوب محمول موجه للتعليم، ثم تطورت تصميماته إلى نسخ قابلة للتحويل والاستخدام باللمس، صُممت لتلائم حركة الطفل وبيئة الفصل. (intel.com)
لم تكن الفكرة مجرد تصغير الحاسوب. كانت هناك فكرة أكبر تتشكل:
لماذا يكون الكمبيوتر جهازًا مشتركًا ينتظر الطالب داخل المعمل؟ لماذا لا يصبح للطالب جهاز يمكن أن يتحرك معه؟
في معمل الحاسب كان المتعلم يذهب إلى التكنولوجيا، أما مع الأجهزة الشخصية فأصبحت التكنولوجيا تذهب معه.

وهذه النقلة ستغير كثيرًا مما سيأتي بعدها.
من لوحة المفاتيح والفأرة… إلى اللمس
ثم جاءت الأجهزة اللوحية.
وفي 2010 قدمت Apple جهاز iPad بشاشة Multi-Touch تسمح للمستخدم بالتفاعل مباشرة مع التطبيقات والمحتوى بلمس الشاشة، في جهاز أخف وأكثر قابلية للحمل من الحواسيب المحمولة التقليدية في ذلك الوقت. (apple.com)
قد تبدو هذه اليوم تفاصيل عادية جدًا. لكنها غيّرت العلاقة بين الإنسان والجهاز.
في الحاسوب كان على الطفل أن يفهم أولًا أن حركة يده على الفأرة تحرك شيئًا في مكان آخر على الشاشة. أما في الجهاز اللوحي فهو يرى الصورة أمامه… فيلمسها. يريد تكبيرها… فيفعل ذلك بأصابعه. يريد الانتقال… فيسحب. يريد الرسم… فيرسم على الشاشة نفسها.
وهكذا اختفت طبقة كانت تفصل بين المتعلم والمحتوى.
لم تجعل الأجهزة اللوحية المحتوى أكثر قابلية للحمل فقط؛ بل جعلت التعامل معه أكثر مباشرة بالنسبة للمتعلم.

وبدأنا نرى جهازًا واحدًا يستطيع أن يكون كتابًا، وكراسة، وكاميرا، ومشغل فيديو، ومسجل صوت، وقاموسًا، ومتصفحًا، ومنصة تعليمية في الوقت نفسه.
ثم جاءت التطبيقات فأصبح الجهاز يتشكل وفقًا لما يحتاج إليه كل مستخدم.
عندما أصبح الجهاز جزءًا طبيعيًا من حياة الطفل
وأنا ألاحظ هذا الاختلاف اليوم في تجربة قريبة جدًا مني. ابنتي في العاشرة من عمرها.
بالنسبة لها، الجهاز ليس شيئًا غريبًا أضيف إلى عملية التعليم. هو موجود أصلًا في حياتها.
تأخذ من خلاله دروسًا وتدريبات Online، وتتفاعل مع المعلم، وتشاهد الشرح، وتجيب، وتراجع، وتستخدم أحيانًا أكثر من تطبيق أو وسيلة في تجربة التعلم نفسها.
والأمر لا يقتصر عليها. أصبح من الطبيعي لدى كثير من الأسر أن يتلقى الطفل درسًا أو تدريبًا من المنزل باستخدام الهاتف أو الـTablet أو الـiPad.
قد يكون المعلم في مدينة أخرى. وقد يكون التدريب في دولة أخرى. وقد لا يحتاج ولي الأمر إلى نقل الطفل من مكان إلى مكان لكي يحصل على فرصة تعلم إضافية.
وهنا أرى فرقًا مهمًا جدًا.
بالنسبة إلى جيلنا، كانت التكنولوجيا شيئًا دخل التعليم. أما بالنسبة إلى كثير من أطفال اليوم، فالتكنولوجيا موجودة أصلًا، والتعليم هو الذي يدخل إليها.
بالنسبة إلى جيل جديد من المتعلمين، لم يعد السؤال: هل نستخدم الجهاز في التعلّم؟ بل: أي جزء من التعلّم سيحدث من خلاله؟

وهذا لا يعني أن كل طفل يستخدم جهازًا يتعلم جيدًا. لكنه يعني أن الجهاز أصبح جزءًا طبيعيًا من بيئة التعلم نفسها.
التعليم الإلكتروني أخرج الفصل من الجدران… والجهاز جعله قابلًا للحمل
تحدثنا سابقًا عن كيف أخرج التعليم عن بُعد العملية التعليمية من حدود المكان.
لكن الهاتف والـTablet والـiPad أضافوا شيئًا آخر. لم يعد الفصل الافتراضي يحتاج إلى مكتب كامل.
يمكن للمتعلم أن يدخل إلى الدرس من غرفته. أو يراجع المحتوى أثناء السفر. أو يشاهد شرحًا بعد المدرسة. أو يرفع واجبًا. أو يتحدث مع معلمه. أو يحل اختبارًا. أو يعيد درسًا فاته.
وفي أجهزة مثل iPad ظهرت منذ سنوات تطبيقات سمحت بالوصول إلى مقررات كاملة ومحاضرات وواجبات وكتب واختبارات من جامعات ومؤسسات تعليمية مختلفة، وهو ما يعكس مبكرًا فكرة أن الجهاز المحمول يمكن أن يصبح بوابة كاملة إلى تجربة تعليمية. (apple.com)
ومن هنا:
التعليم الإلكتروني أخرج الفصل من الجدران، لكن الأجهزة الشخصية جعلت الفصل قابلًا للحمل.

وهنا بدأ التغيير لا يصيب المكان فقط. بدأ يصيب سلوك المتعلم.
المتعلم لم يعد يشاهد فقط… أصبح يتوقع أن يتفاعل
ربما هذه من أهم التغيرات.
الطفل الذي اعتاد شاشة تستجيب للمس، وتطبيقًا يستجيب لإجابته، وفيديو يستطيع إيقافه وإعادته، يبدأ في تكوين توقعات مختلفة عن المعرفة نفسها.
إذا لم يفهم كلمة… يبحث عنها. إذا لم يفهم الشرح… يعيد الفيديو. إذا كان بطيئًا… يسرّعه. وإذا لم يعجبه أحد الشروحات… يبحث عن شرح آخر.
وهذه قدرة هائلة لم تكن متاحة بهذا الشكل للمتعلم التقليدي.
فالطالب داخل الفصل لا يستطيع أن يقول للمعلم كل دقيقتين: توقف. أعد الجملة. ارجع خمس دقائق. اشرح بسرعة أبطأ. أو اشرح لي من جديد بطريقة أخرى.
لكن الفيديو يسمح له بذلك.
لأول مرة أصبح المتعلم قادرًا على أن يوقف المعلم ويعيد شرحه ويسرّعه، بل ويستبدله بشرح آخر… إذا كان هذا المعلم فيديو.

وهذا يمنح المتعلم درجة من التحكم في إيقاع التعلم لم تكن متاحة من قبل بهذه السهولة.
وهنا جانب إيجابي مهم جدًا. فالطفل الخجول الذي لا يريد أن يقول أمام زملائه «لم أفهم» يستطيع أن يعيد الفيديو عشر مرات. والمتعلم الأسرع يمكنه الانتقال إلى المرحلة التالية. ومن يحتاج إلى شرح بصري يستطيع البحث عنه.
وأصبح من الممكن أن تكون تجربة التعلم أكثر ارتباطًا بسرعة الفرد واحتياجاته.
من التعلم في أوقات محددة… إلى التعلم في اللحظات الصغيرة
تغير أيضًا متى نتعلم.
في الماضي كان التعلم المنظم مرتبطًا غالبًا بزمن واضح. حصة. درس. جلسة مذاكرة. كتاب.
أما الجهاز المحمول فبدأ يملأ أوقاتًا صغيرة كانت تمر دون استخدام تعليمي. عشر دقائق انتظار. رحلة. استراحة. بضع دقائق قبل موعد.
يمكن خلالها مراجعة كلمات بلغة جديدة. مشاهدة شرح قصير. حل عدد من الأسئلة. مراجعة بطاقات تعليمية. الاستماع إلى محتوى.
وهكذا أصبح التعلم أكثر قابلية للتجزئة إلى وحدات صغيرة، وهو ما يرتبط بما يعرف بـ Microlearning — التعلم المصغر.
وهذه فرصة جيدة جدًا عندما يكون المحتوى مصممًا لهذا الغرض.
لكن يجب ألا نخلط بين أمرين مختلفين.
تجزئة التعلم لكي يصبح أسهل في الاستيعاب.
وتجزئة الانتباه بحيث لا يستطيع الإنسان البقاء مع فكرة طويلة.
يمكن أن نتعلم شيئًا صغيرًا في خمس دقائق، لكن ليس كل شيء يمكن فهمه في خمس دقائق.

وهنا نصل إلى واحد من أهم التحولات التي أريد التوقف أمامها.
ثم جاءت الـReels… وتغيّرت علاقتنا بطول المحتوى
الفيديو نفسه ليس جديدًا. تحدثنا سابقًا عن السينما التعليمية والتلفزيون والفيديو، ثم YouTube.
لكن الفيديو القصير المتتابع أدخل سلوكًا مختلفًا.
المحتوى قد يستغرق عشرات الثواني. ثم تمرر بإصبعك. فيأتي آخر. ثم آخر. ثم آخر.
كل فيديو يحتاج إلى جذبك بسرعة. وإذا لم يفعل… تمرر.
وهذا التصميم ليس مجرد تغيير في طول الفيديو. هو تغيير في طريقة استهلاك المحتوى.
فالمستخدم يقرر خلال ثوانٍ: أكمل؟ أم أنتقل؟ أعجبني؟ أم أبحث عن شيء آخر؟
وهنا بدأ المتعلم نفسه يعيش داخل بيئة تعوده على سرعة الانتقال والاستجابة الفورية والتنوع المستمر.
ولذلك أعتقد أن السؤال الأهم ليس:
هل الـReels خفّضت مدة انتباه الإنسان؟
هذه صياغة أبسط من الواقع العلمي.
الأدق أن نسأل:
هل جعلت البيئة الرقمية السريعة توقعات المتعلم من المحتوى ومن عملية التعلّم نفسها مختلفة؟

ماذا يحدث عندما يتوقع المتعلم أن يجذبه كل شيء فورًا؟
هذه النقطة في رأيي أخطر من طول الفيديو نفسه.
إذا اعتدت أن أي محتوى لا يجذبك في أول ثوانٍ يمكن التخلص منه بحركة إصبع، ماذا يحدث عندما تواجه كتابًا يحتاج إلى ثلاثين صفحة قبل أن تتضح فكرته؟
أو مسألة رياضية تحتاج إلى وقت؟ أو لغة جديدة تحتاج إلى تكرار؟ أو محاضرة تحتاج إلى تركيز؟ أو مهارة لا تعطيك مكافأة سريعة؟
هنا قد لا تكون المشكلة أن الطفل «لا يستطيع الانتباه». بل أنه أصبح معتادًا على بيئة تسمح له بالانسحاب الفوري من المحتوى غير الجذاب.
وهذا فرق مهم.
المشكلة ليست أن الفيديو أصبح قصيرًا، بل أن يتوقع المتعلم أن تكون كل معرفة قابلة للفهم والجذب بالسرعة نفسها.

والتعلم الحقيقي لا يعمل دائمًا هكذا.
بعض المعرفة ممتعة من اللحظة الأولى. وبعضها تحتاج إلى مجهود حتى تصبح ممتعة. وبعض المهارات لا يمكن تعلمها من دون تكرار. وبعض الأفكار لا يمكن اختصارها دون أن نفقد معناها.
هل الفيديو القصير عدو للتعلّم؟
ليس بالضرورة.
وهنا يجب ألا نقع في الخطأ نفسه الذي وقعنا فيه مع كل تقنية جديدة.
الفيديو القصير نفسه يمكن أن يكون ممتازًا للتعلم. شرح مفهوم. تجربة علمية. طريقة نطق كلمة. قاعدة سريعة. مقدمة لموضوع جديد. تلخيص خطوة.
وقد أظهرت أبحاث حديثة على فيديوهات الشرح القصيرة أنها يمكن أن تدعم التعلم في بعض الظروف، خصوصًا عندما تكون مرتبطة جيدًا بالمحتوى الدراسي، وإن كانت النتائج تختلف باختلاف المتعلمين وطبيعة الفيديو والسياق. (link.springer.com)
إذن القضية ليست:
قصير = سيئ.
بل:
ما الهدف من المحتوى القصير؟
هل هو وحدة صغيرة داخل مسار تعلم؟ أم عشرات المقاطع غير المترابطة التي تعطينا إحساسًا بأننا تعلمنا لأننا شاهدنا معلومات كثيرة؟
الفيديو القصير قد يكون بابًا ممتازًا للمعرفة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يصحب المتعلم حتى نهاية الطريق.

والفرق كبير بين أن أشاهد فيديو يجعلني أبدأ البحث عن موضوع… وبين أن أعتقد أن الفيديو نفسه جعلني أفهم الموضوع كله.
بين Microlearning و«وهم التعلّم»
قد ينتهي الإنسان من عشرين فيديو تعليميًا في نصف ساعة ويشعر بأنه تعلم الكثير.
وربما تعلم فعلًا بعض المعلومات.
لكن المعرفة ليست دائمًا مجموع معلومات منفصلة.
التعلم يحتاج أحيانًا إلى: الربط. والتطبيق. والتكرار. والخطأ. والتصحيح. والاستدعاء من الذاكرة. والتفكير.
ولذلك يمكن أن تكون كل معلومة داخل الفيديو صحيحة، ومع ذلك لا تتكون لدى المتعلم صورة متماسكة.
وهنا أرى فارقًا مهمًا:
تجزئة المعرفة يمكن أن تساعد على التعلّم، لكن تجزئة الانتباه قد تمنع المتعلم من رؤية الصورة الكاملة.

والتعلم المصغر الجيد يجب أن يكون مصممًا. جزء يقود إلى جزء. هدف واضح. تدريب. استدعاء. تقدم.
أما الانتقال العشوائي بين مئات المقاطع فليس مسارًا تعليميًا لمجرد أن بعضها يحتوي على معلومات مفيدة.
وماذا تقول الأبحاث عن الفيديو القصير والانتباه؟
هنا يجب أن نكون حذرين.
من السهل جدًا أن نقول إن TikTok أو Reels «دمرا الانتباه»، لكن العلم لا يسمح لنا بهذه البساطة.
هناك دراسات حديثة وجدت ارتباطات بين الاستخدام المكثف للفيديو القصير وبين صعوبات في بعض وظائف الانتباه أو التحكم الذاتي، وبعض الدراسات استخدمت اختبارات سلوكية وقياسات عصبية. لكن بعضها يعتمد أيضًا على عينات محددة أو تصميمات ارتباطية، ولذلك لا نستطيع ببساطة أن نقول إن الفيديو القصير وحده هو السبب المباشر في كل تغير في الانتباه. (frontiersin.org)
بل إن دراسات أخرى تجد أن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل والانتباه ليست دائمًا بسيطة، وأن حجم بعض التأثيرات قد يكون صغيرًا أو يتغير حسب نوع الاستخدام والسياق. (sciencedirect.com)
إذن السؤال التربوي بالنسبة لي أهم من إطلاق حكم نهائي على التقنية:
كيف نعلّم الطفل أن ينتقل بين نمطين؟
نمط سريع للاكتشاف. ونمط أبطأ للفهم.
أن يعرف متى تكفي الدقيقة. ومتى يحتاج إلى ساعة. ومتى يحتاج إلى قراءة. ومتى يحتاج إلى تجربة.
هذه في حد ذاتها أصبحت مهارة تعلم.
الجهاز الواحد أصبح يحمل التعلم… ويحمل تشتيته أيضًا
وهنا تظهر مفارقة لم تكن بهذه القوة من قبل.
الكتاب الذي يذاكر منه الطالب لم يكن يرسل له إشعارًا يقول: شاهد هذا الفيديو.
ولم تكن الآلة الحاسبة تستقبل رسالة من صديق.
ولم تكن المكتبة تتحول فجأة إلى لعبة.
أما الجهاز الذكي فهو يستطيع أن يكون: كتابًا. فصلًا. مكتبة.
وفي اللحظة نفسها: لعبة. شبكة اجتماعية. تطبيق رسائل. منصة فيديو. متجرًا. وسيلة ترفيه.
أصبحت أداة التعلّم ومصادر تشتيت المتعلم موجودة داخل الجهاز نفسه.

وقد أشارت UNESCO في مراجعتها العالمية للتكنولوجيا في التعليم إلى أن استخدام الأجهزة الرقمية يمكن أن يدعم التعلم في سياقات معينة، لكنه قد يكون أيضًا مصدرًا للتشتت عندما يكون الاستخدام غير مناسب أو غير منظم؛ كما أن أثر التقنية يعتمد بدرجة كبيرة على كيفية دمجها في التعليم، لا مجرد وجودها. (gem-report-2023.unesco.org)
ولهذا نجد اليوم نقاشًا عالميًا متزايدًا حول الهواتف داخل المدارس. وبحلول مارس 2026، رصد تقرير UNESCO أن 114 نظامًا تعليميًا لديها حظر وطني للهواتف المحمولة في المدارس، وهو ما يعكس حجم القلق حول التشتت والاستخدام، وليس حكمًا بأن الجهاز لا يمكن أن تكون له قيمة تعليمية. (unesco.org)
وهذا يقودني إلى السؤال الذي أراه أهم من «الحظر أو السماح»:
متى يكون الجهاز أداة تعلم، ومتى يصبح عائقًا أمام التعلم؟

الهاتف والتابلت لم يغيرا الوصول فقط… بل غيّرا استقلالية المتعلم
هناك جانب إيجابي آخر لا ينبغي أن نتجاهله.
المتعلم أصبح قادرًا على حل مشكلات صغيرة بنفسه قبل أن يطلب المساعدة.
لا يعرف معنى كلمة؟ يبحث. لا يعرف مكانًا؟ خريطة. لا يفهم طريقة تنفيذ شيء؟ فيديو. يريد التدرب على لغة؟ تطبيق. يريد معرفة نطق كلمة؟ يسمعها. يريد توثيق تجربة؟ يصوّرها. يريد سؤال معلمه؟ يرسل.
هذا لا يعني أنه أصبح قادرًا على التعلم الكامل بمفرده.
لكن نقطة البداية تغيرت.
الجهاز الذكي لم يضع المعرفة في جيب المتعلم فقط؛ وضع معه أدوات للبحث والتجربة والتوثيق والتواصل وإنتاج المحتوى.

وهذا قد يزيد استقلالية المتعلم عندما يستخدم بصورة جيدة.
لكن الاستقلالية الحقيقية لا تعني فقط أن تستطيع البحث.
بل أن تعرف:
ماذا تبحث؟ وأين؟ وكيف تعرف أنك وجدت إجابة جيدة؟
وهل أصبحنا نحفظ أقل لأن الجهاز يتذكر نيابةً عنا؟
أرقام الهواتف. المواعيد. الاتجاهات. الملاحظات. الصور. الأسماء. الخرائط.
كلها أصبحت في الجهاز.
وهنا قد نقول إن الإنسان أصبح يعتمد على ذاكرة خارجية.
لكن هذا ليس جديدًا تمامًا.
الكتابة نفسها كانت وسيلة لإخراج جزء من الذاكرة خارج العقل. والكتاب فعل ذلك. والمكتبة. ثم محركات البحث.
الجديد أن هذه الذاكرة الخارجية أصبحت الآن معنا في كل لحظة تقريبًا.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح:
هل يجب أن نحفظ كل ما كان يحفظه الإنسان من قبل؟
بل:
ما الذي يجب أن يبقى داخل عقل الإنسان لكي يستطيع أن يفكر حتى عندما تكون المعلومات خارجه؟
كلما ازدادت قدرة الأدوات على تذكّر المعلومات نيابةً عنا، ازدادت أهمية أن نعرف ما الذي يجب أن نفهمه، لا مجرد ما الذي يجب أن نحفظه.

وهذا السؤال سيصبح أكثر أهمية بكثير عندما نصل لاحقًا إلى الذكاء الاصطناعي.
المتعلم أصبح متعدد الشاشات والمصادر
هناك أيضًا واقع أراه في التعلم اليوم.
قد يبدأ الطالب درسه على Zoom أو منصة مشابهة. والكتاب PDF. والواجب على LMS. والشرح الإضافي على YouTube. والتواصل في تطبيق آخر. والاختبار على موقع. والبحث من Google. والملاحظات على الجهاز.
أي أن عملية التعلم نفسها لم تعد موجودة بالضرورة في مكان رقمي واحد.
المتعلم ينتقل بين مصادر وشاشات وتطبيقات متعددة.
وهذا يعطيه فرصًا هائلة. لكنه قد يخلق أيضًا عبئًا معرفيًا وتنظيميًا.
أين الملف؟ ما كلمة المرور؟ أين أرسل المعلم الواجب؟ أي منصة؟ أي رابط؟
وهنا:
الفصل لم يعد شاشة واحدة، بل أصبح شبكة من الشاشات والمصادر يتحرك بينها المتعلم باستمرار.

ومن يستطيع تنظيم هذه البيئة يستفيد منها بدرجة أكبر. ومن لا يستطيع قد يشعر بأنه يغرق فيها.
التكنولوجيا لم تغير أدوات المتعلم فقط… بل غيرت توقعاته
هذه، بالنسبة لي، هي الفكرة الأساسية في هذا المقال.
متعلم اليوم قد يتوقع: أن يحصل على إجابة بسرعة. أن يكون المحتوى قابلًا للبحث. أن يستطيع إعادته. أن يتفاعل معه. أن يكون متاحًا في أي وقت. أن ينتقل إلى مصدر آخر إذا لم يفهم. أن تكون هناك صورة أو فيديو. أن يستطيع التعليق أو السؤال.
هذه التوقعات لم تظهر داخل المدرسة وحدها. صنعتها حياته الرقمية كلها.
وهنا تواجه المدرسة تحديًا حقيقيًا.
إذا عاد الطالب من عالم يستطيع فيه أن يلمس ويبحث ويعيد ويختار، ثم جلس أربعين دقيقة في موقف لا يُطلب منه فيه إلا الاستماع…
فمن الطبيعي أن نشعر بوجود فجوة بين التجربتين.
لكن الحل أيضًا ليس أن نحول المدرسة إلى TikTok.
التحدي ليس أن نجعل التعليم يشبه منصات الترفيه، بل أن نفهم المتعلم الذي صنعت هذه المنصات جزءًا من عاداته اليومية.

والفرق كبير.
وظيفة التعليم ليست أن ينافس كل ثانية من الترفيه. بل أن يساعد الإنسان على أن يكون قادرًا على التعلم حتى عندما لا تكون المعرفة مصممة للترفيه عنه.
إذن أين المعلم من كل هذا؟
في المقال السابق تحدثنا عن المعلم الذي لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة.
الآن يتوسع دوره مرة أخرى.
لم يعد يكفي أن يساعد المتعلم على اختيار المعلومات.
عليه أيضًا أن يساعده على إدارة سلوكه الرقمي أثناء التعلم.
متى أبحث؟ متى أتوقف عن البحث وأبدأ التفكير؟ متى يكون الفيديو مناسبًا؟ ومتى أحتاج إلى قراءة طويلة؟ متى أستخدم الذكاء الرقمي؟ ومتى أكتب بيدي؟ متى أفتح الجهاز؟ ومتى أحتاج إلى إغلاقه؟ كيف أضع الإشعارات جانبًا؟ كيف أتعامل مع الدرس Online كما أتعامل مع فصل حقيقي؟ كيف أفرق بين مشاهدة فيديو تعليمي وبين التعلم منه؟
وهنا أرى دورًا مهمًا جدًا للمعلم:
المعلم الرقمي لا يساعد المتعلم فقط على استخدام الجهاز؛ بل يساعده على بناء عادات تعلم لا تجعل الجهاز هو الذي يتحكم فيه.

وهذا يحتاج هو نفسه إلى تدريب وفهم.
لأن المعلم الذي يستخدم التكنولوجيا لمجرد أنها موجودة قد يزيد المشكلة.
التطبيق ليس هدفًا. والفيديو ليس هدفًا. والجهاز ليس هدفًا.
الهدف ما زال:
ماذا حدث للمتعلم؟
والأسرة أيضًا لم يعد دورها «كم ساعة؟» فقط
هذه النقطة أصبحت مهمة جدًا بالنسبة لي كأب.
من السهل أن نقول:
ابنتي استخدمت الـiPad ساعتين.
لكن ماذا حدث في الساعتين؟
هل كانت في درس؟ هل تتدرب على لغة؟ هل تقرأ؟ هل تتحدث مع معلم؟ هل ترسم؟ هل تشاهد Reels؟ هل تلعب؟
ليست كل ساعة أمام الشاشة التجربة نفسها.
وهذا لا يعني أن الزمن غير مهم.
لكنه يعني أن نوع الاستخدام وسياقه وهدفه مهم أيضًا.
فالحديث عن الأجهزة يجب ألا يختزل في سؤال واحد:
كم ساعة؟
بل أيضًا:
ماذا تفعل؟ ولماذا؟ ومع من؟ وماذا يحدث بعد ذلك؟
وهنا يصبح دور الأسرة أقل اعتمادًا على المنع وحده، وأكثر اعتمادًا على بناء عادات.
وقت للتعلم. ووقت للترفيه. ووقت بلا جهاز. ووعي بالإشعارات. وقدرة على التوقف. وحوار حول ما يشاهده الطفل ويتعلمه.
وهناك فجوة رقمية جديدة أيضًا
في البداية كانت الفجوة:
من لديه حاسوب ومن ليس لديه؟
ثم:
من لديه إنترنت؟
ثم:
ما سرعة الإنترنت؟
واليوم قد يكون لدى الجميع هاتف تقريبًا، لكن الفرص ما زالت غير متساوية.
هاتف قديم مقابل جهاز حديث. شاشة صغيرة مقابل Tablet مناسب. اتصال محدود مقابل إنترنت سريع. طفل لديه جهاز خاص مقابل آخر يشارك جهازًا مع الأسرة. منزل هادئ للتعلم مقابل منزل لا توجد فيه مساحة مناسبة.
ولذلك:
امتلاك الجهاز هو بداية إمكانية الوصول، وليس ضمانًا لتكافؤ فرصة التعلّم.

وهذه قاعدة تتكرر معنا منذ بداية السلسلة.
كلما حلت التكنولوجيا مشكلة، ظهرت طبقة جديدة من الأسئلة.
فهل جعلت الأجهزة الذكية المتعلم أفضل؟
لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون «نعم» أو «لا».
لقد منحته إمكانات لم تكن موجودة من قبل.
الوصول. والمرونة. وإعادة الشرح. والتفاعل. والتعلم من أي مكان. والتواصل مع معلم بعيد. وإنتاج المحتوى. والتوثيق. والتعلم وفق سرعته.
لكنها في الوقت نفسه وضعت أمامه تحديات جديدة.
التشتت. والانتقال المستمر. والإشعارات. والاعتماد على الإجابة السريعة. والخلط بين مشاهدة المحتوى والتعلم. والتوقع بأن تكون المعرفة كلها قصيرة وممتعة وفورية.
إذن الجهاز نفسه لا يصنع المتعلم الجيد أو السيئ.
الأداة توسّع ما يستطيع المتعلم فعله، لكنها لا تحدد وحدها ما الذي سيختار أن يفعله بهذه القدرة.

وهنا نعود إلى الفكرة التي رافقت هذه السلسلة كلها:
التقنية الجيدة في التعليم ليست التقنية الأكثر حداثة، بل التقنية التي تساعد على حل مشكلة تعليمية حقيقية دون أن تخلق مشكلة أكبر منها.
من الشاشة التي نحملها… إلى العالم الذي يمكن أن ندخل إليه
لكن الأجهزة الذكية كانت تخبئ تحولًا آخر.
فهي لم تكن مجرد شاشات.
في داخلها كاميرا. وميكروفون. ومستشعرات. وموقع جغرافي. وحركة. وقدرة على معرفة اتجاه الجهاز ومكانه وما يراه.
ومع الوقت أصبح من الممكن ألا نكتفي بعرض المعرفة على شاشة.
بل أن نضع عناصر رقمية فوق العالم الحقيقي.
أو أن نأخذ المتعلم إلى عالم افتراضي كامل.
بدل أن يشاهد صورة للقلب… يمكن أن يرى نموذجًا ثلاثي الأبعاد.
وبدل أن يقرأ عن مكان تاريخي… يمكن أن يشعر وكأنه يقف داخله.
وبدل أن يرى تجربة خطرة في فيديو… يمكن أن يتدرب عليها في بيئة محاكاة.
وهنا سيظهر سؤال جديد.
إذا كان الكتاب جعلنا نقرأ عن المعرفة، والفيديو جعلنا نشاهدها، والحاسوب جعلنا نتفاعل معها…
فماذا يحدث عندما نستطيع أن ندخل إليها؟
وهنا تبدأ المحطة التالية من رحلة «الإنسان يتعلّم»:
الإنسان يتعلّم (17): عندما دخل المتعلّم إلى المعرفة… كيف غيّرت تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز تجربة التعلّم؟
وأعتقد أن الجملة التي تختصر هذه المرحلة كلها هي:
الهاتف والتابلت لم يضعا المعرفة في جيب الإنسان فقط؛ بل غيّرا توقعاته وسلوكه وطريقة بحثه وتفاعله وانتباهه، فأصبح التحدي الجديد في التعليم ليس فقط كيف نستخدم الجهاز، بل كيف نساعد المتعلم على أن يبقى هو من يستخدم الجهاز… لا أن يصبح الجهاز هو من يقود طريقة تعلّمه.

للاقتباس Hesham Khalafallah. (2026). الإنسان يتعلّم (16): عندما أصبحت المعرفة في جيبنا… كيف غيّرت الأجهزة الذكية سلوك المتعلّم؟. Hesham Khalafallah.